باب ما ينهى عنه من البيوع
قبل أن نبدأ في تفصيل وبيان ما جاء في الشريعة من البيوع المحرمة الممنوعة ، ننبه ونذكر بأصل مهم جاءت به الشريعة ، ألا وهو : أن الأصل في المعاملات والعقود الجواز والصحة ، ولا يحرم منها إلا ما ورد الشرع بتحريمه وإبطاله ، وهذا مما يشهد بسعة رحمة الله تعالى ، وتمام حكمته ، حيث أباح سبحانه لعباده جميع الطيبات من مكاسب ومطاعم ومشارب ، وفسح لهم فيها ما تصلح به أمورهم وأحوالهم ، وتستقيم معايشهم .([1])
قال العلامة الزيلعي الحنفي في ( تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق )(4/ 87) : (( وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ حُرْمَةَ الْبَيْعِ أَصْلٌ بَلْ الْأَصْلُ هُوَ الْحِلُّ وَالْحُرْمَةُ إذَا ثَبَتَتْ إنَّمَا تَثْبُتُ بِالدَّلِيلِ الْمُوجِبِ لَهَا وَهَذَا؛ لِأَنَّ الْأَمْوَالَ خُلِقَتْ لِلِابْتِذَالِ فَيَكُونُ بَابُ تَحْصِيلِهَا مَفْتُوحًا فَيَجُوزُ مَا لَمْ يَقُمْ الدَّلِيلُ عَلَى مَنْعِهِ )) ا.هـ
وقال العلامة الشاطبي في ( الموافقات)(1/ 440) : (( وَمَا كَانَ مِنَ الْعَادِيَّاتِ ... وَالْأَصْلَ فِيهَا الْإِذْنُ حَتَّى يدل الدليل على خلافه )) ا.هـ
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في (مجموع الفتاوى)(28/ 386) : (( وَالْأَصْلُ فِي هَذَا أَنَّهُ لَا يُحَرِّمُ عَلَى النَّاسِ مِنْ الْمُعَامَلَاتِ الَّتِي يَحْتَاجُونَ إلَيْهَا إلَّا مَا دَلَّ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ عَلَى تَحْرِيمِهِ كَمَا لَا يُشَرِّعُ لَهُمْ مِنْ الْعِبَادَاتِ الَّتِي يَتَقَرَّبُونَ بِهَا إلَى اللَّهِ إلَّا مَا دَلَّ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ عَلَى شَرْعِهِ؛ إذْ الدِّينُ مَا شَرَعَهُ اللَّهُ وَالْحَرَامُ مَا حَرَّمَهُ اللَّهُ )) ا.هـ
وقال الإمام ابن القيم في (إعلام الموقعين)(1/ 259) : (( وَأَنَّ الْأَصْلَ فِي الْعُقُودِ وَالشُّرُوطِ الصِّحَّةُ إلَّا مَا أَبْطَلَهُ الشَّارِعُ أَوْ نَهَى عَنْهُ، وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ الصَّحِيحُ فَإِنَّ الْحُكْمَ بِبُطْلَانِهَا حُكْمٌ بِالتَّحْرِيمِ وَالتَّأْثِيمِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَا حَرَامَ إلَّا مَا حَرَّمَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، وَلَا تَأْثِيمَ إلَّا مَا أَثَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ بِهِ فَاعِلَهُ، كَمَا أَنَّهُ لَا وَاجِبَ إلَّا مَا أَوْجَبَهُ اللَّهُ، وَلَا حَرَامَ إلَّا مَا حَرَّمَهُ اللَّهُ، وَلَا دِينَ إلَّا مَا شَرَعَهُ، فَالْأَصْلُ فِي الْعِبَادَاتِ الْبُطْلَانُ حَتَّى يَقُومَ دَلِيلٌ عَلَى الْأَمْرِ، وَالْأَصْلُ فِي الْعُقُودِ وَالْمُعَامَلَاتِ الصِّحَّةُ حَتَّى يَقُومَ دَلِيلٌ عَلَى الْبُطْلَانِ وَالتَّحْرِيمِ.)) ا.هـ ([2])
فمن هذا الأصل المحكم يتبين أن كل شيء يجوز بيعه وتعاطيه ، إلا ما جاء النص بتحريمه ومنعه ([3]) ، وهو قليل معدود ([4]) ، وقد جمعها أئمة الحديث والفقه في أبواب ، ونبهوا عليها ، وصنفوا في بيانها ليتيسر معرفتها ، والوقوف عليها ، فعلى خطاهم ومنوالهم نستعين بالله تعالى في جمعها وبيانها في هذا المصنف ، ليتيسر على القارئ الكريم اطلاع عليها .

([1]) انظر إلى رسالة ( الدرة المختصرة في محاسن الدين الإسلامي)(ص 23) للإمام السعدي

([2]) انظر إلى كتاب ( الوساطة التجارية في المعاملات المالية)(ص 25 ـ 26) للشيخ عبدالرحمن بن صالح الأطرم

([3]) انظر إلى ( شرح بلوغ المرام)(5/ 184) للعلامة عطية سالم

([4]) انظر إلى ( شرح بلوغ المرام)(3/458) للعلامة ابن عثيمين