قال الرمضاني : (( هؤلاء في الحقيقة الآن ينتهجون حزبية جديدة ، لأن الحزبية تنقسم إلى قسمين .

فيه حزبية تقوم على أصول غير أصول الإسلام ، وتريد من الناس أن يكونوا معهم فيها ، فإذا خالفهم أحد ، قالوا : هذا ليس من أهل السنة ، أصول غير أصول الإسلام !
كما يذكر ابن تيمية هذا كثير في أهل البدع ، يؤصلون أشياء ، ثم يقيمون ولاءهم وبراءهم عليها ، وهي ليست من أصول الإسلام .
وفيه حزبية ثانية ، هي على معنى هذا ، لكنها وجه أخر ، وهو أنهم يأتون إلى أشياء من الدين ، لكن يجعلونها من المسلمات وهي مختلف فيها ، ويريدون أن يوافقوا عليها ، إذا خلفوا فيها لم يقولوا ، خلاف قديم ، لا ، قالوا : من خالفنا تركناه وأخرجناه من السنة ، يعني أشياء من فروع هذا الدين ، هي من الدين ، لكن لم يقم الإجماع عليها ، فأرادوا من الناس أن يتحزبوا حول هذه الأشياء ، إذا لم يتحزبوا حولها ، قالوا : ليسوا من أهل السنة ، هذه الحزبية الآن الموجودة مع الأسف ، وهذا من سوء فهمهم للسنة ، ومن سوء فهمهم لطريقة السلف في علاج البدعة ....
وأكثر الأسباب هي حظوظ النفس ، وعدم الإخلاص لله في الدفاع عن السنة والرد على المبتدعة .. هذا أكبر دافع ، يعني حب الظهور وحب الترؤس ، الرئاسة الدينية ، لهي أشد فتنتين ، فيه رئاسة مالية ورئاسة دينية، فالرئاسة الدينية التي يطمحون إليها ، ليرجع الناس إليهم فقط ، هو الذي جعلهم يبلبلون أوضاع السلفية ، يفتنونها باسم الدفاع عن السنة ... أنا أنصح إخواني على كل حال ، الحق ليس عندي ، الحق في الكتاب والسنة وعند العلماء .. يعني يتربوا على الكتاب والسنة ، لكن انصحهم بأن يطلبوا العلم على أهل العلم ، أن يلزموهم ، أن يذهبوا على أنفسهم هذا التشويش ، أن هذا الفعل حقيقة سيحرمهم من العلم ، وأكثر الأخوة الذين يستمعون إلى هذا التشويش ، سينقطعون عن العلم ويتركونه ، لا سيما وسامحوني أنتم يأتون من البلاد الأوربية يصعب عليكم أن تتأقلموا مع البيئة غير البيئة الأوربية ، لأن رأينا كثيرا من الأخوة الطيبين تركوا ، هم طيبون وتركوا ، فكيف إذا كانوا من أول فهمهم على غير الفهم الصحيح ))
المادة الصوتية
http://ar.salafishare.com/920
أقول :
هذا من مغالطات وتمويهات الرمضاني الكبيرة ، ومحنته وفتنته العسيرة ، التي ركب أمواجها المتلاطمة في هذه الآونة الأخيرة ، وقوى فيها شوكة المميعة وأهل التشكيك والاضطراب والتذبذب والحيرة .
وقد تأسف أهل السنة تأسفا شديدا وتألمت قلوبهم كمدا ، ما وصلت إليه حالة عبدالمالك الرمضاني من التبديل والتغيير المشين وركونه ودخوله في فتنة شعارها الظلم والتمويه والتلبيس وقلب الحقائق والتشكيك والكذب ، " ومن أوتي الكذب فقد أوتي الأسلحة كلها "، فدخل في فتنة ، وعقد صفقة مع أهلها بوساطة أو بغير وساطة في ظلام ، عن غفلة أهل السنة ، لكن صفقتهم هذه باءت بالفشل والبوار وأنتجت عكس ما أرادوا ، أرادوا وأد أصول السلفية ، وتشويه سمعة أئمتها ، وتشتيت شمل أهلها ، وظنوا أن أهلها سهل الانقياد للكائد ، ولشباك الصائد ، فكشفت لهم الأيام ما لم ينتظروا .
فكان من آثار هذه الفتنة الجائرة والزوبعة البائرة ، أن علّمت الأمة السنية " كيف تصبر في الشدائد، وكيف تقضي على كيد الكائدين بالعلم والعدل والصبر وعلّمتها أن أعداءها لا يقفون في مضارتها عند حد، وعلّمتها أن لا تعتمد في النهوض على من لا يرضى لها أن تنهض وأن لا تستند في حياتها إلى من لا يقنع منها إلّا بالموت وأن لا تسأل البقاء ممن يسعى في إفنائها، وأوقفتها على نوع من الأسلحة التي يحاربها بها أعداؤها وأرتها كيف يستعمل هذا السلاح فلم تعد تأبه له ولا للمتسلّح به، وكشف لها هذا الدرس البليغ عن جانب خفي طالما تعب الناصحون في بيانه، وهو أن هذه الأمة تشارك في مضاربة بلا ربح، وتقاد في ليل بلا صبح، وتضطرب بين أهواء متعاصية عن الكبح، وأنها تُساس في عصر العلم والنور بصور من سياسة عصور الجاهلية المظلمة، وأنها تقات بالتضليل والتخذيل والتجهيل والتعليل ..كل هذا فهمته الأمة وفهمت معه أن لا ثقة إلا بالله ثم بالحق الذي جعله نظامًا للوجود، وأن لا اعتماد إلا على الله ثم على نفسها، وأن لا خوف إلا من الله ثم مما اجترحت الأيدي ، وهذا ما أملاه هذا الدرس البليغ على الأمة السنية، فكان لها عبرة وذكرى ... ([1] ) ، فلا نستغرب ما لقيته الأمة السلفية من الرمضاني وأضرابه من التشكيك والتشغيب ، فنحن على يقين أن وجود هذه الفرقة طبيعي، ومن سنن الله التي لا تقاوم . ([2]) ، و لا يعيق فعلهم هذا أهل الحق ويضعف أقلامهم ، بل يزدهم قوة وتمكينا وبيانا لما هم عليه من الحق
فأقول مبينا أغلوطات الرمضاني مستعينا بالله في ذلك :
البيان الأول : قوله : (( هؤلاء في الحقيقة ينتهجون حزبية جديدة ، لأن الحزبية تنقسم إلى قسمين .
فيه حزبية تقوم على أصول غير أصول الإسلام ، وتريد من الناس أن يكونوا معهم فيها ، فإذا خالفهم أحد ، قالوا : هذا ليس من أهل السنة ، أصول غير أصول الإسلام ! ...))

أحق أن نتمثل في هذا المقام بالمثل العربي : "رمتني بدائها وانسلّت "
1 ـ ما هي أصول الحزبية التي عند مشايخ السنة أحمد بن يحيى النجمي ـ رحمه الله ـ و ربيع بن هادي المدخلي وعبيد الجابري وعلماء اليمن ومحمد بن هادي وعبدالله البخاري وغيرهم الذين حذروا من فتنة المأربي وبينوا أصوله الخطيرة التي أنهك بها قوى الدعوة السلفية ؟!
وما هي أصول الحزبية التي عند اللجنة وغيرها من علماء الأمة الذين حذروا من أصول الحلبي الفاسدة الجائرة ؟!
يا عبدالمالك الرمضاني دعك من هذه المغامرة والمجازفة ، فإذا رأيت عند هؤلاء الأعلام شيئا من مخالفات فلا تبخل على الأمة الإسلامية ببيانها وتوضيحها وجمعها في مصنف لتطلع عليها الأمة ، فتحذر منها .
أما أن ترمي الأبرياء والفضلاء بما ليس فيهم ، وما هم منه أبرأ وأبعد وأنزه وأنظف وأطهر ، فهذا منهج حدادي غالي الذي تشتكي منه الأمة السنية وتتألم من غلوه وأصوله الفاسدة ، ومع ذلك يسعى أهل البدع والأهواء إلصاقه بها .
2 ـ أما رميك أهل الحق بأنهم على حزبية جديدة ، فهذه بضاعة أعداء الرسل وأتباعهم قديما وحديثا ، التي واجهوا بها أهل الحق ورموهم بها .
قال شيخ الإسلام محمد بن عبدالوهاب ـ رحمه الله ـ في رسالته ( مسائل الجاهلية) : (( السادسة والستون : رميهم إياه بتبديل الدين كما قال الله تعالى : {إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ} [غافر: 26] ))
قال الإمام صالح بن عبدالله الفوزان ـ حفظه الله ـ في (شرح مسائل الجاهلية)(ص239 ـ 240) : (( وهذا شيء مستمر في الناس إلى يوم القيامة، أهل الكفر والظلم والطغيان يسمون المصلحين بالمفسدين، وهذا منحدر من القرون الأولى من وقت فرعون وقومه، وهذا لا يضر أهل الإيمان، ولا يضر أهل الإصلاح، وإن لُقِّبوا بما لُقِّبوا، فكم لقبوا أهل الحق والدعاة إلى الله بالشناعات، لقبوا شيخ الإسلام ابن تيمية بألقاب شنيعة، ولقبوا الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب بألقاب شنيعة، وأنه خارجي، وأنه يريد أن يغيّر عقيدة الناس، ويكفّر الناس، إلى آخر ما يقولون، مما هو موجود في كتبهم من الاتهامات والتزوير والشر وهذا موقفهم من كل مصلح... وهذا من قلب الحقائق، ومن الغش للراعي والرعية، وما أكثر هذا الصنف الذي يقوم بهذه المهمة الشيطانية اليوم، ممن يقودون الناس إلى الهاوية، ويقفون في وجه المصلحين، ويزوّرون الحقائق)) ا.هـ
وقال العلامة ابن باديس ـ رحمه الله ـ : (( من المعلوم عند أهل العلم أن مما حفط الله به دينه وأبقى به حجته أنه لا تنقطع الدعوة إلى الله في هذه الأمة والقيام على الحق والإعلان بالسنن والرد على المحرِّفين والمتغالين والزائغين والمبتدعين وأن أهل هذه الطائفة معروفة مواقفهم في كل جيل محفوظة آثارهم عند العلماء غير أن غلبة الجهل وكثرة أهل الضلال قد تحول دون بلوغ صوتهم إلى جميع الناس فترى أنصار الباطل كلما قام داع من دعاة الحق في ناحية اعترضوه بسكوت من سكت ممن كان قبله ، وأوهموا اتباعهم المغرورين بهم أن هذا الداعي جاء بدين جديد فيكون من أعظم ما يرد به عليهم ويبصر أولئك المغترين بهم نشر ما تقدم من كلام دعاة الحق وأنصار الهدى في سالف الزمان ([3]) )) ([4])
3 ـ هاتوا برهانكم يا عبدالمالك بأنكم على الحق ، وأن ما أحدثته وابتدعته الطائفة المميعة من الأقوال الفاسدة ، والأصول الكاسدة قد شهد لها الكتاب والسنة وعمل سلف الأمة بالصحة والقبول !!
أما أن تلقي القول جزافا ، فهذا يدعيه كل أحد ، حتى اليهود والنصارى .
قال شيخ الإسلام محمد بن عبدالوهاب ـ رحمه الله ـ في رسالته ( مسائل الجاهلية) : (( إنَّ كُلَّ فِرقَةٍ تَدَّعِي أَنَّها النَّاجيَةُ فَأَكْذَبَهُمُ اللهُ بقوله: { قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ}[البقرة: 111] ))
قال العلامة صالح الفوزان في (شرح مسائل الجاهلية)(ص205 ـ 206) :(( من مسائل أهل الجاهلية: أن كل فرقة منهم تدّعي أنها هي التي على الحق، وأن غيرها على الباطل وكان هذا في اليهود والنصارى ومن شابههم {وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَى} [البقرة: 111] حصروا الهداية ودخول الجنة في اليهود والنصارى.
ومثلهم الفرق الضالة، كل فرقة تدّعي أنها هي التي على الحق، وأن غيرها على الباطل، وكل فرقة تدّعي أنها الفرقة الناجية التي قال فيها النبي صلى الله عليه وسلم: "ستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار، إلا واحدة" ولكن الرسول صلى الله عليه وسلم بين العلامة الفارقة لهذه الفرقة عن غيرها لما قالوا: "من هي يا رسول الله؟ قال: "من كان على ما أنا عليه وأصحابي" ولهذا قال جل وعلا: {قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ} [البقرة: 111] يعني: هاتوا دليلكم على ما تقولون))
الثاني : قوله : ((وفيه حزبية ثانية ، هي على معنى هذا ، لكنها وجه أخر ، وهو أنهم يأتون إلى أشياء من الدين ، لكن يجعلونها من المسلمات وهي مختلف فيها ، ويريدون أن يوافقوا عليها ، إذا خلفوا فيها لم يقولوا ، خلاف قديم ، لا ، قالوا : من خالفنا تركناه وأخرجناه من السنة ، يعني أشياء من فروع هذا الدين ، هي من الدين ، لكن لم يقم الإجماع عليها ، فأرادوا من الناس أن يتحزبوا حول هذه الأشياء ، إذا لم يتحزبوا حولها ، قالوا : ليسوا من أهل السنة ، هذه الحزبية الآن الموجودة مع الأسف ))
ما هذا التلبيس والتمويه والسفسطة يا عبدالمالك !!
هات مسألة واحدة رد عليها مشايخنا الكرام على الحدادية والمميعة ، وهي من فروع الدين ، ومما يساغ فيها الاختلاف .
وإلا فإذا كنت تعد هجران أهل البدع ورد المخالفات .
ورمي الصحابة رضي الله عنهم بالغثائية .
وتخريب أصول السلفية التي كان عليها أهل الحديث ، وإبدالها بأصول فاسدة لحماية البدع والدفاع عن أهلها .
والطعن في أهل الحديث ، وإسقاط أئمته قديما وحديثا .
وقول بأن الصحابة رضي الله عنهم اختلفوا في العقيدة ، وهلم جرا أن ذلك من الفروع فهذه مصيبة إن كنت لا تدري ، وإن كنت تدري فالمصيبة أعظم .
الثالث : قوله : (( وهذا من سوء فهمهم للسنة ، ومن سوء فهمهم لطريقة السلف في علاج البدعة ))
ما أسهل هذا السلاح الذي يرمى به أهل الحق في كل زمان ومكان ، ما شاء الله يا عبدالمالك أصبح أئمة السنة الأعلام وعلماء الإسلام وقدوة الأنام أحمد بن يحيى النجمي والفوزان وغديان وربيع بن هادي المدخلي وعبيد الجابري لا يفهمون السنة وأصبحت أنت وطائفتك تفهمون السنة ، وتحسنون معالجة مشاكل الأمة !!
ماذا نعتذر لك ، ونقول عن هذه الطعنة الجائرة التي قد سبقت إليها ، وقدوتك فيها أهل الجاهلية وأعداء الرسل والصحابة من الملاحدة والرافضة والفلاسفة والمتكلمة الذين طعنوا في فهم وعلم الصحابة رضي الله عنهم .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ في (مجموع الفتاوى)(4/ 102 ـ 103) :(( وَلِهَذَا ذَكَرَ الْعُلَمَاءُ: أَنَّ الرَّفْضَ أَسَاسُ الزَّنْدَقَةِ وَأَنَّ أَوَّلَ مَنْ ابْتَدَعَ الرَّفْضَ إنَّمَا كَانَ مُنَافِقًا زِنْدِيقًا وَهُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَبَأٍ فَإِنَّهُ إذَا قَدَحَ فِي السَّابِقِينَ الْأَوَّلِينَ فَقَدْ قَدَحَ فِي نَقْلِ الرِّسَالَةِ أَوْ فِي فَهْمِهَا أَوْ فِي اتِّبَاعِهَا. فَالرَّافِضَةُ تَقْدَحُ تَارَةً فِي عِلْمِهِمْ بِهَا وَتَارَةً فِي اتِّبَاعِهِمْ لَهَا - وَتُحِيلُ ذَلِكَ عَلَى أَهْلِ الْبَيْتِ وَعَلَى الْمَعْصُومِ الَّذِي لَيْسَ لَهُ وُجُودٌ فِي الْوُجُودِ.
وَالزَّنَادِقَةُ مِنْ الْفَلَاسِفَةِ وَالْنُصَيْرِيَّة وَغَيْرِهِمْ: يَقْدَحُونَ تَارَةً فِي النَّقْلِ: وَهُوَ قَوْلُ جُهَّالِهِمْ. وَتَارَةً يَقْدَحُونَ فِي فَهْمِ الرِّسَالَةِ: وَهُوَ قَوْلُ حُذَّاقِهِمْ كَمَا يَذْهَبُ إلَيْهِ أَكَابِرُ الْفَلَاسِفَةِ والاتحادية وَنَحْوِهِمْ )) ا.هـ
قال الإمام محمد بن عبدالوهاب في مسائل الجاهلية :(( المسألة العاشرة : الاستدلال على بطلان الدين بقلة أفهام أهله وعدم حفظهم كقولهم :{ بادي الرأي }[ هود : 27]))
قال الشيخ صالح آل الشيخ ـ حفظه الله ـ في شرحه ( مسائل الجاهلية )( ص 63) ((وهذه المسألة هي تلك المسائل، وهي أنهم يستدلون على بطلان الشيء بأنه لم يتبعه إلا الضعفاء، يستدلون على بطلان الشيء بأنه لم يتبعه إلا الضعفاء، وهذا تنوع من الأدلة التي يستدل بها أهل الجاهلية في الماضي، ويستدل بها كل من كان فيه شعبة من شعب أهل الجاهلية في كل زمان ومكان، يستدلون على بطلان أمر من الأمور بأنه لم يتبعه إلا الضعفاء، وذلك أنه في ظاهر أفهامهم أن أهل الشرف والسيادة وأهل الرفعة والريادة وأهل الوجاهة والمال هم أحرى بأن يكونوا أوصل للحق وأعرف للحق وأحسن استدلالا عليه، فكيف يكون الضعفاء الذين هم أضعف عقولا، وأضعف أفهاما عندهم، كيف يصلون إلى الحق دونهم؟ فاستدلوا بذلك على أن أولئك الضعفاء عقولهم ليست صائبة، وأفهامهم ليست مستنيرة، وأنهم هم أهل الأفهام وأهل العقول، وإذا كان كذلك تم لهم الدليل بأن جاءت به المرسلون إنما اقتنع به الذين ليس لهم عقول صائبة، وليس لهم عقول مستنيرة، وليس لهم أفهام جيدة وقرائح قوية، فاستدل ذلك على بطلانه، إذْ لم يقتنع به أهل الفهم، يقنع به أهل العلو، لم يقتنع به أهل الجاه، أهل المال، الرؤساء، الأشراف، الملأ، ونحو ذلك.))
الرابع : قوله : ((وأكثر الأسباب هي حظوظ النفس ، وعدم الإخلاص لله في الدفاع عن السنة والرد على المبتدعة .. هذا أكبر دافع ، يعني حب الظهور وحب الترؤس ... ))
قد بينت زيف هذه المقولة الباطلة والثرثرة العاطلة ، وذلك عند ذكر قول الإمام محمد بن عبدالوهاب ـ رحمه الله ـ في ( مسائل الجاهلية) : (( المسألة الثانية بعد المائة : رميهم أتباع الرسل بعدم الإخلاص وطلب الدنيا ، فأجابهم بقوله :{ما عليك من حسابهم من شيء }[الأنعام :52] وأمثالها ))
قال الإمام السعدي ـ رحمه الله ـ عند تفسير قوله تعالى :{ قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الْأَرْضِ وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ }
(( أي: وجئتمونا لتكونوا أنتم الرؤساء، ولتخرجونا من أرضنا. وهذا تمويه منهم، وترويج على جهالهم، وتهييج لعوامهم على معاداة موسى، وعدم الإيمان به.
وهذا لا يحتج به، من عرف الحقائق، وميز بين الأمور، فإن الحجج لا تدفع إلا بالحجج والبراهين.
وأما من جاء بالحق، فرد قوله بأمثال هذه الأمور، فإنها تدل على عجز موردها، عن الإتيان بما يرد القول الذي جاء خصمه، لأنه لو كان له حجة لأوردها، ولم يلجأ إلى قوله: قصدك كذا، أو مرادك كذا، سواء كان صادقًا في قوله وإخباره عن قصد خصمه، أم كاذبًا، مع أن موسى عليه الصلاة والسلام كل من عرف حاله، وما يدعو إليه، عرف أنه ليس له قصد في العلو في الأرض، وإنما قصده كقصد إخوانه المرسلين، هداية الخلق، وإرشادهم لما فيه نفعهم. )) ([5])
الخامس : قوله : ((. أنا أنصح إخواني على كل حال ، الحق ليس عندي ، الحق في الكتاب والسنة وعند العلماء .. يعني يتربوا على الكتاب والسنة ، لكن انصحهم بأن يطلبوا العلم على أهل العلم ، أن يلزموهم ))
قد أصبت في هذه المرة ، ونصحت ، وصدقت ، ولكن أين إعمالك لهذا الأصل وتطبيقه في هذه الفتنة ، والله تعالى يقول : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ } !!
وإلا فالشباب السلفي وطلبة العلم السني ما هم إلا نقلة ، وما تكلموا في الحدادية والمميعة وأهل التشغيب والتخريب إلا بكلام أئمتهم ونقلوه , وما قام الصراع بين أهل السنة والمتحزبة العصريين إلا بسبب إخلال وطعن المتحزبة في هذا المرجع الأصيل ، والركن الجليل ، وسعيهم إلى ربط شباب الأمة بالأصاغر وأهل التبديل ، وإضلالهم عن سواء السبيل .
فللقارئ الكريم أن يتأمل وينظر إلى من يستند ويرجع أهل السنة في أحكامهم ودينهم ونقلهم ، وإلى من يستند الحدادية والمميعة في فتنتهم ، ويعرف من يقود زمامها ويؤصل لهم، وأي مكانة هم عليها في العلم والسنة والسابقة .
السادس : قوله : ((وأكثر الأخوة الذين يستمعون إلى هذا التشويش ، سينقطعون عن العلم ويتركونه ، لا سيما وسامحوني أنتم يأتون من البلاد الأوربية يصعب عليكم أن تتأقلموا مع البيئة غير البيئة الأوربية ، لأن رأينا كثيرا من الأخوة الطيبين تركوا ، هم طيبون وتركوا ، فكيف إذا كانوا من أول فهمهم على غير الفهم الصحيح ))
1 ـ قد أجاد وأفاد وأشبع في نسف هذه الضلالة البائرة الشيخ الفاضل رائد آل طاهر والأخ الكريم عبدالرحمن الغنامي في الموضوع التالي :
http://www.sahab.net...howtopic=132056
فليرجع إليه ليعرف وهاء هذا الكلام وفساده للشرع والعقل والأصول التي جاء بها الرسول .
2 ـ ليس أنفع للعامة والناشئة المبتدئين في الطلب والتحصيل ولعموم المسلمين، من أن يبين لهم
الشر والفساد وطرقه وحملته وأساليبهم ، وهذا الأصل هو أول ما جاء به الإسلام وقرره ، وأمر الله تعالى به نبيه صلى الله عليه وسلم ، وذلك في قوله تعالى :{ياأيها المدثر قم فأنذر وربك فكبر}[المدثر1 ـ 2]
قال الشيخ صالح أل الشيخ ـ حفظه الله ورعاه ـ في شرحه ( الأصول الثلاثة )(ص 67)
عند قول الإمام محمد (بعثه الله بالنذارة عن الشرك ويدعو إلى التوحيد) : (( هو معنى لا إله إلا الله، ذكر العلماء أن ثمَّ مناسبة ها هنا وهي أن الإنذار عن الشرك هذا فيه تخلية، والدعوة إلى التوحيد تحلية، ومن القواعد المقررة أن التَّخْلِيَة تسبق التَّحْلِيَة، لهذا النهي عن الشرك والإنذار عن الشرك إخراج لكل ما يتعلق به القلب؛ لأنه قال لا يتعلق القلب بأي أحد من هذه الآلهة، ثم إذا خلا القلب من التعلق بأحد، أمره بأن يتعلق بالله جل وعلا وحده دون ما سواه.)) ا.هـ
3 ـ لا يخفى على أهل الإسلام خاصتهم وعامتهم ، كبيرهم وصغيرهم أن القرآن الكريم قد فصل سبيل المجرمين وأعمالهم وعاقبتهم ، وكان ينزل بيانه على حسب الأحداث والوقائع التي كانت تحدث وتصدر من المجرمين ، فيفضح الله تعالى أساليبهم ومكرهم للمسلمين خاصتهم وعامتهم ، وقد أطال في كشف فضائح المنافقين الذين ينتسبون إلى المسلمين ظاهراً ، ويظهرون موالاتهم لهم ومخالطتهم إياهم ، وبدأ ذكر هذا في أول سورة البقرة ، حيث ذكر فى حق المؤمنين ثلاث آيات 3-5، وفى حق الكفار آيتين 6- 7 ، فلما انتهى إلى ذكر المنافقين ذكر فيهم بضع عشرة آية 8- 20 ذمهم فيها غاية الذم وكشف عوراتهم وقبحهم وفضحهم، وأخبر أنهم هم السفهاءُ المفسدون فى الأرض المخادعون المستهزئون المغبونون في اشترائهم الضلالة بالهدى، وأنهم صم بكم عمى فهم لا يرجعون، وأنهم مرضى القلوب وأن الله يزيدهم مرضاً إلى مرضهم، فلم يدع ذماً ولا عيباً إلا ذمهم به، وهذا يدل على شدة مقته سبحانه لهم، وبغضه إياهم، وعداوته لهم، وأنهم أبغض أعدائه إليه ، وبلية المسلمين بهم أعظم من بليتهم بالكفار المجاهرين، ولهذا قال تعالى في حقهم: {هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ} [المنافقون: 4] ، فهم أحق بالعدواة ممن باينهم في الدار، ونصب لهم العداوة وجاهرهم بها. فإن ضرر هؤلاءِ المخالطين لهم المعاشرين لهم- وهم في الباطن على خلاف دينهم- أشد عليهم من ضرر من جاهرهم بالعداوة وألزم وأدوم، لأن الحرب مع أولئك ساعة أو أياماً ثم ينقضي ويعقبه النصر والظفر، وهؤلاء معهم في الديار والمنازل صباحاً ومساءً، يدلون العدو على عوراتهم ويتربصون بهم الدوائر ولا يمكنهم مناجزتهم، فهم أحق بالعداوة من المباين المجاهر([6]) ([7])
فتبين بهذا أن من تمام النصح وصدق الداعية في دعوته إلى الله تعالى ، هو أن ينصح ويبين للمسلمين وخاصة عامتهم سبيل المجرمين ، ويشرح لهم أساليبهم ويوضحها ، ويحذر من أهلها ، خاصة أولئك الذين يدعون السلفية وهم يبطنون المكر والخداع لها ولأهلها ، وهو في ذلك يكون قد اقتدى بالقرآن والنبي صلى الله عليه وسلم في دعوته إلى الله تعالى .
4 ـ إن خطاب وأمر النبي صلى الله عليه وسلم في قوله : «فَمِنْ يَعِشْ مِنْكُمْ بَعْدِي، فَسَيَرَى اخْتِلَافًا كَثِيرًا، فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ مِنْ بَعْدِي، عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ» ، هو موجه لعموم الأمة ، ولا يتحقق هذا الامتثال إلا بمعرفة الخير من الشر ، ولا يستطع أحد أن يجترأ فيخرج العامة من هذا الخطاب ، فمن باب أولى طلبة العلم والناشئة، وإن تكلف له ما تكلف .
5 ـ قد شهد الشرع والتاريخ أن الذي عرف الشر واجتنبه ، هو المفلح ، وهو الذي ينتفع به الإسلام والمسلمين ، بخلاف ممن لم يعرف الشر وأهله .
قال الإمام ابن القيم ـ رحمه الله ـ في كتابه القيم (الفوائد)(ص157 ـ ) : (( قَاعِدَة جليلة : قَالَ الله تَعَالَى : {وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرمين}[ الأنعام : 55] ، وَقَالَ {وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تولى}[النساء : 115] ، وَالله تَعَالَى قد بَين فِي كِتَابه سَبِيل الْمُؤمنِينَ مفصّلة وسبيل الْمُجْرمين مفصّلة وعاقبة هَؤُلَاءِ مفصّلة وعاقبة هَؤُلَاءِ مفصّلة وأعمال هَؤُلَاءِ وأعمال هَؤُلَاءِ وأولياء هَؤُلَاءِ وأولياء هَؤُلَاءِ وخذلانه لهَؤُلَاء وتوفيقه لهَؤُلَاء والأسباب الَّتِي وفْق بهَا هَؤُلَاءِ والأسباب الَّتِي
خذل بهَا هَؤُلَاءِ وجلا سُبْحَانَهُ الْأَمريْنِ فِي كِتَابه وكشفهما وأوضحهما وبيّنهما غَايَة الْبَيَان حَتَّى شاهدتهما البصائر كمشاهدة الْأَبْصَار للضياء والظلام .
فالعالمون بِاللَّه وَكتابه وَدينه عرفُوا سَبِيل الْمُؤمنِينَ معرفَة تفصيلية وسبيل الْمُجْرمين معرفَة تفصيلية فاستبانت لَهُم السبيلان كَمَا يستبين للسالك الطَّرِيق الْموصل إِلَى مَقْصُوده وَالطَّرِيق الْموصل إِلَى الهلكة ، فَهَؤُلَاءِ أعلم الْخلق وأنفعهم للنَّاس وأنصحهم لَهُم وهم الأدلاء الهداة برز الصَّحَابَة على جَمِيع من أتى بعدهم إلى يوم الْقِيَامَة فَإِنَّهُم نشأوا فى سَبِيل الظلال وَالْكفْر والشرك والسبل الموصلة إِلَى الْهَلَاك وعرفوها مفصّلة ثمَّ جَاءَهُم الرَّسُول فَأخْرجهُمْ من تِلْكَ الظُّلُمَات إِلَى سَبِيل الْهدى وصراط الله الْمُسْتَقيم فَخَرجُوا من الظلمَة الشَّدِيدَة إِلَى النُّور التَّام وَمن الشّرك إِلَى التَّوْحِيد وَمن الْجَهْل إِلَى الْعلم وَمن الغي إِلَى الرشاد وَمن الظُّلم إِلَى الْعدْل وَمن الْحيرَة والعمى إِلَى الْهدى والبصائر فعرفوا مِقْدَار مَا نالوه وظفروا بِهِ وَمِقْدَار مَا كَانُوا فِيهِ ، فَإِن الضِّدّ يظْهر حسنه الضِّدّ وَإِنَّمَا تتبين الْأَشْيَاء بأضدادها فازدادوا رَغْبَة ومحبة فِيمَا انتقلوا إِلَيْهِ ونفرة وبغضا لما انتقلوا عَنهُ وَكَانُوا أحب النَّاس فِي التَّوْحِيد وَالْإِيمَان وَالْإِسْلَام وَأبْغض النَّاس فِي ضِدّه عَالمين بالسبيل على التَّفْصِيل .
وَأما من جَاءَ بعد الصَّحَابَة فَمنهمْ من نَشأ فِي الْإِسْلَام غير عَالم تَفْصِيل ضِدّه فَالْتبسَ عَلَيْهِ بعض تفاصيل سَبِيل الْمُؤمنِينَ بسبيل الْمُجْرمين فَإِن اللّبْس إِنَّمَا يَقع إِذا ضعف الْعلم بالسبيلين أَو أَحدهمَا كَمَا قَالَ عمر بن الْخطاب :" إِنَّمَا تنقض عرى الْإِسْلَام عُرْوَة إِذا نَشأ فِي الْإِسْلَام من لم يعرف الْجَاهِلِيَّة " ، وَهَذَا من كَمَال علم عمر رَضِي الله عَنهُ فَإِنَّهُ إِذا لم يعرف الْجَاهِلِيَّة وَحكمهَا وَهُوَ كل مَا خَالف مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُول فَإِنَّهُ من الْجَاهِلِيَّة فَإِنَّهَا منسوبة إِلَى الْجَهْل وكل مَا خَالف الرَّسُول فَهُوَ من الْجَهْل فَمن لم يعرف سَبِيل الْمُجْرمين وَلم تستبن لَهُ أوشك أَن يظنّ فِي بعض سبيلهم أَنَّهَا من سَبِيل الْمُؤمنِينَ كَمَا وَقع فِي هَذِه الْأمة من أُمُور كَثِيرَة فِي بَاب الِاعْتِقَاد وَالْعلم وَالْعَمَل هِيَ من سَبِيل الْمُجْرمين وَالْكفَّار وأعداء الرُّسُل أدخلها من لم يعرف أَنَّهَا من سبيلهم فِي سَبِيل الْمُؤمنِينَ ودعا إِلَيْهَا وكفّر من خالفها واستحل مِنْهُ مَا حرمه الله وَرَسُوله كَمَا وَقع لأكْثر أهل الْبدع من الْجَهْمِية والقدرية والخوارج وَالرَّوَافِض وأشباههم مِمَّن ابتدع بِدعَة ودعا إِلَيْهَا وكفّر من خالفها ([8]) ....
وَالْمَقْصُود أَن الله سُبْحَانَهُ يحب أَن تعرف سَبِيل أعدائه لتجتنب وتبغض كَمَا يجب أَن تعرف سَبِيل أوليائه لِتُحَبّ وتسلك وَفِي هَذِه الْمعرفَة من الْفَوَائِد والأسرار مَالا يُعلمهُ إِلَّا الله من معرفَة عُمُوم ربوبيته سُبْحَانَهُ وحكمته وَكَمَال أَسْمَائِهِ وَصِفَاته وتعلقها بمتعلقاتها واقتضائها لآثارها وموجباتها وَذَلِكَ من أعظم الدّلَالَة على ربوبيته وَملكه وإلهيته وحبه وبغضه وثوابه وعقابه وَالله أعلم )) ا.هـ
6 ـ قد أهتم واعتنى أئمة الحديث والسنة ببيان أصول البدع وأهلها ودونوها في كتب السنة والعقائد ، وهي قد صنفت للخاصة والعامة ، وليست أحكامها وفصولها خاصة إلا بالعلماء أو بفئة من المسلمين .
بل قد نبهوا طلبة العلم الناشئة في ( كتب آداب الطلب والعالم والمتعلم ) ، أنه ينبغي لهم قبل أن يقدموا على الطلب والتحصيل أن يستخيروا الله فيمن يأخذون العلم عنه ، وأن يحذروا من أن يأخذوا العلم على أيدي أهل الأهواء والبدع والكذبة والهلكة ، ورحم الله الإمام محمد بن سيرين إذ يقول : (( هذا العلم دين ، فانظروا عمن تأخذون دينكم )) ([9])
وما ذاك إلا لعلمه وفقههم أن صلاح الأمة الإسلامية وفلاح أولادها في المعاش والمعاد إلا بصلاح علمائها وصفاء المنبع الذي تستقي منه علومها .
قال العلامة عبدالحميد ابن باديس ـ رحمه الله ـ : (( لن يصلح المسلمون حتى يصلح علماؤهم فإنّما العلماء من الأمّة بمثابة القلب إذا صلح صلح الجسد كلّه وإذا فسد فسد الجسد كلّه، وصلاح المسلمين إنّما هو بفقههم الإسلام وعملهم به وإنّما يصل إليهم هذا على يد علمائهم، فإذا كان علماؤهم أهل جمود في العلم وابتداع في العمل فكذلك المسلمون يكونون. فإذا أردنا إصلاح المسلمين فلنصلح علماءهم.
ولن يصلح العلماء إلاّ إذا صلح تعليمهم. فالتعليم هو الذي يطبع المتعلم بالطابع الذي يكون عليه في مستقبل حياته وما يستقبل من علمه لنفسه وغيره فإذا أردنا أن نصلح العلماء فلنصلح التعليم ونعني بالتعليم التعليم الذي يكون به المسلم عالماً من علماء الإسلام يأخذ عنه الناس دينهم ويقتدون به فيه.
ولن يصلح هذا التعليم إلاّ إذا رجعنا به للتعليم النبوي في شكله وموضوعه في مادته وصورته فيما كان يعلم - صلى الله عليه وآله وسلم- وفي صورة تعليمه ... )) ا.هـ ([10])
7 ـ معرفة الشباب الناشئة لأخطاء ومخالفات المناهج الضالة ورجالها ، هذا لا يعني انشغالهم إلا بهذا العلم وإضاعتهم للعلوم الأخرى ، لا يقول هذا أحد من علماء السنة وعقلاء الأمة .
سئل فضيلة الشيخ ربيع بن هادي المدخلي ـ حفظه الله ورعاه ـ :
هل ينقم على السلفيين اشتغالهم بالردود بدعوى أنهم لا يهتمون بالعلم ؟
فأجاب : الجاهل كيف يرد على أهل الباطل ، لا يرد عليهم ويدحض أباطيلهم إلا بالعلم ، قال الله تبارك وتعالى ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال الصحابة رضي الله عنهم ، قال السلف رحمهم الله ، قال مالك ، قال الأوزاعي ، قال فلان من الأقوال التي تنبثق من كتاب الله تبارك وتعالى ومن سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام ...
فيا إخوتاه تعلموا العلم , يعني كتب الردود هي جانب من جوانب العلم المهم , اقرؤا في أبواب الصلاة , وأبواب الزكاة , وأبواب الحج , وأبواب العقيدة , وأبواب المعاملات , وفي أبواب الرد علي البدع .
ما يقوله أهل الأهواء عن أهل السنة أن شغلتهم الردود غير صحيح , بل هم مشتغلون بالعلم النافع , ثم يردون على أهل الأهواء والبدع عند الحاجة إلى ذلك , وهذا شرف لهم , لأن هذا من باب النصيحة لله ولكتابه ولأئمة المسلمين وعامتهم , وسير منهم على طريقة السلف في حماية دين الله .
يجب أن يعرف المسلمون من باكورة حياتهم طريق الهدى من طريق الضلال , يعرف كيف يمشي من أول الطريق , وإذا كان يتعلم هكذا , ولا يعرف الشبه ولا يعرف الرد عليها يضيع .
وقد يجلس عدد من الناس إلى عالم من العلماء لا يشعر بالبدع ونقدها وبيانها فيتيه ويتيهون عن منهج علماء السلف ، الذي يعني يعلم الناس فقط الخير وما يبين لهم الشر والبدع والضلالات هذا يزرع وتأتي الحيوانات والحشرات تأكل زرعه ، ما حصل حماية ، هذه حماية ، كغيرها من الحمايات تماما مثل التطعيمات ضد الأمراض والحمايات الصحية من الأمراض البدنية ، فالأمراض القلبية والنفسية تحتاج إلى حماية أكثر .
فنوجه هذا الكلام إلى طلاب العلم وإلي العلماء أن يتقوا الله تبارك وتعالى وان يعملوا بعلمهم وأن يأمروا بالمعروف وينهوا عن المنكر , كل بحسب طاقته ,لابد من إنكار المنكر.)) ([11])
فهذا ما تيسر من بيانه فيما أقامه الشيخ عبدالمالك الرمضاني ـ أصلحه الله ـ من أغلوطات وتمويهات التي أراد أن يشغب بها على المنهج السلفي وحملته نسأل الله تعالى له الهداية والرجوع إلى الحق والحمد لله رب العالمين

([1]) (آثار الإمام محمد البشير الإبراهيمي)(1/ 278) ، مع تصرف يسير

([2]) (آثار الإمام محمد البشير الإبراهيمي)(1/ 272)

([3]) قد شهد من نور الله قلبه بالحق ورزق الإنصاف والعقل والوسطية السنية بأن ردود علمائنا ومشايخ السنة على الطائفة الحدادية والمميعة والحزبية مبنية على نصوص الكتاب والسنة والآثار السلفية .

([4]) (آثار الإمام ابن باديس)(3/ 135)

([5]) (تيسير الكريم الرحمن)(ص: 371)

([6]) وهذا الذي قررته يا شيخ عبدالمالك في (المدارك ) ـ أصلحك الله ـ ، حيث قلت : (( ولما كان هؤلاء منضوين تحت صفوف المسلمين، فإن أمرهم قد يخفى على كثير من الناس ، فكان بيان حالهم ـ لمن ولاؤنا لهم فرض علينا ـ آكد، ولذلك قال ابن تيمية: " وإذا كان أقوام ليسوا منافقين ولكنهم سمّاعون للمنافقين، قد التبس عليهم أمرهم حتى ظنوا قولهم حقا، وهو مخالف للكتاب، وصاروا دعاة إلى بدع المنافقين، كما قال تعالى: {لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً وَلأَوْضَعُوا خِلاَلَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ}[التوبة :47]، فلا بد من بيان حال هؤلاء، بل الفتنة بحال هؤلاء أعظم، فإن فيهم إيمانا يوجب موالاتهم، وقد دخلوا في بدع من بدع المنافقين التي تفسد الدين، فلا بد من التحذير من تلك البدع، وإن اقتضى ذلك ذِكْرُهم وتعيينُهم، بل ولو لم يكن قد تَلَقَّوْا تلك البدعة عن منافق، لكن قالوها ظانِّين أنها هدى وأنها خير وأنها دين، ولو لم تكن كذلك لوجب بيان حالهم ".
وأما مواجهتهم من الخارج؛ فلأن العدو لا يدخل عليك بيتك إلا إذا كانت منافذه مفتوحة أو ضعيفة، والفرق الإسلامية المنحرفة عن الناجية هم منافذ الكفار، وهل يجهل المسلمون أثر المتصوفة في استعمار البلاد الإسلامية وإعانتهم الكفار على ذلك؟ ...
قلت: ولذلك كان أئمتنا أفقه من أن يداهنوا المنحرفين عن منهج السلف، بل رأوا جهادهم أكبر الجهادين))
فتذكر هذا يا عبدالمالك ، وتفكر ما وصلت إليه من التحويل والتغيير .

([7]) انظر إلى كتاب (طريق الهجرتين)(ص 402 ـ 404) للإمام ابن القيم ـ رحمه الله ـ

([8]) لله در الإمام ابن القيم ، هذا الكلام لا يخدم المميعة ، ويفسد عليهم جميع الحسابات ، فإن شاء الله يكون عبدالمالك الرمضاني قد أدرك فساد قوله .

([9]) ( تذكرة السامع والمتكلم)(ص 115)

([10]) (آثار ابن باديس)(3/ 217)

([11]) كتاب (فتاوى فضيلة الشيخ العلامة ربيع بن هادي المدخلي)(1/264 ـ 267)