كم حربت جمعية العلماء المسلمين الجزائريين ، لسان أهل السنة والجماعة في بلاد الجزائر ، بل في شمال إفريقيا والمغرب العربي من طرف المستعمر النصراني الغربي ومن طرف الصوفية ، ولا يزال تخرج وتتولد تلك الهجمات البائرة ضدها إلى يومنا هذا ، وتنكسر ، ومن حظ علماء الجزائر ـ رحمهم الله ـ ، أن الهجمات التي تعقد ضدها اليوم هي من طرف السفهاء والصعافقة ، وأعداء علماء الإسلام ، بل أعداء سنة الخلفاء الراشدين من أمثال يوسف العنابي ومن كان على شاكلته ، ومن الفرى والأباطيل والمغالطات والسفاهات التي نسجوها ضدها ، لتشويه تاريخها العريق خدمة للمستعمر الفرنسي والطوائف الصوفية ، أنهم زعموا ـ وبئس ما زعموا ـ أن علماء الجزائر كان من عقيدتهم ومنهجهم أنهم كانوا من دعاة وحدة الأديان وتقاربها .
والله إن هذه الفرية لتضحك منها فرنسا ، و هي لا تصدقها وأنى تغتر بها ، لعلمها أن أشد خصوم عليها وأقوى هم علماء الدعوة السلفية ، الإمام ابن باديس وإخوانه ، لهذا كانت تضيق عليهم ، وتسعى إلى حصد دعوتهم الإصلاحية وأصول مادة حياتها القرآن والسنة ولسانها العربي ، فقد " كانت فرنسا تعلم أن الذي استطاع جمع الجزائريين على كلمة سواء هي جمعية العلماء، لأنها- فرنسا- تعرف "أن العربي في الجزائر، الذي لا يملك شيئًا يقتات به، ليس له إمكانية للتعبير عما يريده وما يرفضه في المجال السياسي سوى السير وراء ما يعتقده أنه طبقًا لعقيدته الإسلامية … ومن هنا كانت استجابته لتوجيه العلماء" ، لذلك قررت أن تقضي عليها، وأن تتخلص من رؤوسها المفكرة، وأن تئد عقولها المدبرة، وأن تسكت ألسنتها المعبرة، فدبرت مؤامرة في غَسَق الليل ونفذتها في وضح النهار.
كانت المؤامرة ذات ثلاثة فصول، وعُيّن لكل فصل ميقات زماني ومكاني؛ فكان الفصل الأول بمدينة الجزائر يوم 2 أغسطس1936، حيث اغتيل مفتي الجزائر، وأوحِيَ إلى القاتل أن يصرّح بأن الشيخ الطيب العقي هو الذي حرّضه على القتل. ثم حصحص الحق، وصحا ضمير القاتل فتراجع عن أقواله، فبرّأ الله العقبي والجمعية.
أما الفصل الثاني فقد جرى بمدينة قسنطينة بعد أسبوع من اغتيال المفتي بمدينة الجزائر؛ حيث أطلقت رصاصات على الشيخ الحبيباتني لاتهام الإمام ابن باديس باغتياله، ولكن الله - عز وجل- أنجى الشيخ الحبيباتني فلم يُصب بسوء، ورد الله الكائدين، فلم ينالوا ما أملُوا.
وأما الفصل الثالث فكان مقررًا أن يُخْرَج بمدينة تلمسان، حيث أراد الفرنسيون بالإمام الإبراهيمي كيدًا. فجعلهم الله من الأخسرين، ودافع عن الإمام بشخص يكتم إيمانه، يسمّى يحيى بُوثمَنْ- من بني ورتلان بالقبائل الصغرى- كان موظفًا في نيابة العمالة بتلمسان، استرق السمع، فعلم بالمؤامرة، فأخبر الإمام بأن الملأ يأتمرون به، ونصحه بالخروج من تلمسان بضعة أيام، فخسر هنالك المبطلون.
وشهدت سنة 1937حدثًا علميًا كبيرًا وتظاهرة إسلامية عظيمة بمدينة تلمسان، بمناسبة تدشين مدرسة دار الحديث التي وضع الإمام الإبراهيمي أساسها، ورقع قواعدها، وأعلى سمكها، وكان يعتبرها نواة لمشروع علمي كبير كانت تصوّره له الخواطر، يعيد به مجد تلمسان العلمي.
أذّن الإبراهيمي في الجزائريين ليشهدوا افتتاح دار الحديث يوم27 سبتمبر1937، فلبّى نداءه الآلاف، وأتوه من كل فج في الجزائر يتقدمهم الإمام عبد الحميد بن باديس الذي رأى من آيات أخيه الإبراهيمي ما جعله يصفه- فيما بعد- بـ "محيي تلمسان ".
عضت فرنسا على الإبراهيمي الأنامل من الغيظ؛ لأنه أحيا ما أماتته من دين ولغة، وأَنْشَر ما أقْبَرَتْه من أمجاد، ووحّد ما فرّقته من صفوف، ونزع من الصدور ما زرعته من خوف، فأمر الوالي العام الفرنسي بغلق دار الحديث يوم 31 ديسمبر وتحدّى الإمام الإبراهيمي السلطات الفرنسية و "رفض التوقيع على محضر الأمر بغلق المدرسة ، وقدّم إلى المحاكمة بتلمسان يوم 27 يونيو 1939و " قُضي عليه بالغرامة " ، "وهو الحكم الذي كّدته محكمة استئناف الجزائر،. ولكن هذا الترهيب، وهذا الترويع لم يُجد فرنسا، ولم يُقْعد الإمام عن مواصلة نشاطه، فاستمرّ في عمله، مؤمنًا بأنه لن يصيبه إلا ما كتب الله له، مستيقنَا أن الله يدافع عن الذين آمنوا، ويثبت أقدامهم، ويربط على قلوبهم.
إن قيمة دار الحديث المعنوية والمادية، والأمل المعلّق عليها، ومكانة مؤسسها في قلب الإمام ابن باديس جعله يوليها اهتمامًا كبيرًا، فكان يذكرها في الخطب العامة والمجالس الخاصة ، ويواصل الاحتجاج على غلقها ، ويثير قضيتها في كتاباته حتى إنه خصص لها إحدى افتتاحيات جريدة البصائر .
كان الفرنسيون وأولياؤهم من أراذلنا ([1] ) يريدون أن يطفئوا نور الإبراهيمي ، وقضى الله عز وجل أن يتم نوره .... لم يقتصر نشاط الإمام الإبراهيمي على مدينة تلمسان وحدها ، ولكنه شمل الناحية الغربية كلها ، فقد كان يزور مدنها وقراها ، فيلقي الدروس والمحاضرات ، معرفا بالإسلام الصحيح ، كاشفا البدع وأهلها ، داعيا إلى تأسيس المساجد وبناء المدارس وإنشاء النوادي ، وتكوين الجمعيات ، حاثا على التعاون مصلحا بين الناس ، مؤلفا بين قلوبهم .
وقد كان لذلك كله أثر كبير في تنبيه الغافلين وإرشاد الحائرين وهداية الضالين وتحريك الخاملين ، يدل على ذلك ما شهد به الأعداء الفرنسيون في كتاباتهم الصحفية وتقاريرهم السرية ، وما رفعه أولياؤهم من إداريين وطرقيين من عرائض يطالبون فيها بإخراجه من تلمسان .
ومن تلك الكتابات ما جاء في جريدة ( الطان) (le temps) ـ كبرى الجرائد اليمينية الفرنسية آنذاك ـ
في عددها الصادر بتاريخ 21 فبراير 1936 : (( إن تلمسان هي مركز التعصب الديني القوي )) ، وما جاء في أحد تقارير الإدارة الفرنسية من أن الإبراهيمي : (( عمل على تحقيق الهدف الوطني ، وكانت له القدرة والذكاء والجرأة المستوحاة من حقده على فرنسا ، وكل ذلك ساعد على خدمة القضية التي يعمل من أجلها ، في حين ضاعت القضية الفرنسية في الناحية )) ، وأكد المؤرخ الفرنسي شارل أندري جوليان ـ وهو معاصر لهذه الفترة وشاهد عليها ـ أن الإبراهيمي (( صار يسيطر من تلمسان على جهة وهران ببصيرة وهدوء))
إن هذا التأثير الكبير- دينيًا ووطنيًا- الذي أحدثه الإمام الإبراهيمي في الناحية الغربية من البلاد جعل السلطات الفرنسية- المحلية والجهوية والمركزية- توجس منه خيفة، وتعتبر صاحبه خطرًا على فرنسا إن هزم الجيش الفرنسي في الحرب العالمية الثانية أو طال أمدها، وهذا ما أشار إليه وحذّر منه والي ولاية وهران في تقريره إلى الوالي العام الفرنسي في 15 مارس 1940، بقوله: (( وليس هناك شك أنه إذا وقعت هزيمة الجّيش الفرنسي، أو استمرّت الحرب مدة طويلة ومؤلمة فإن الإبراهيمي سيكون مركز الخطر لكل دعوات الثورة السلمية أو المسلحة )) ، فأصدر الوالي العام أمر "اعتقال الإبراهيمي في ساعة مختارة طبقًا للإجراءات المقررة حتى لا يقع تجمّع في الشوارع " ([2])
فهذه هي نظرة فرنسا اتجاه الدعوة السلفية وحملتها ، فهي لم تؤمن يوما من الأيام أن بينها وبين علماء الجزائر أخوة دينية أو رابطة وعلاقة دينية .
أما جمعية العلماء المسلمين الجزائريين ، فالقريب والبعيد يعرف أن منهج دعوتها مبني على الكتاب والسنة وفهم السلف الصالح في العقائد والأعمال والاستدلال والفهم ، وهي في دربها قد واجهت دولة عظمية قوية تسحق كل من وقف أمامها ، و الجمعية قد عرفت هذه الحقيقة ، ولهذا هي قد اتخذت جميع الأساليب من تقية وغيرها ليبقى كيانها وصوتها في الأمة الجزائرية الميتة في ذلك العهد ، فببقاء صوتها حياة للجزائر الضعيفة ، وكان كذلك ، وإلا فصمود الجمعية في وجه فرنسا وغطرستها وأسلحتها وأقلامها وخبثها ومكرها أكبر دليل على ما يكذب عليها ، من أنها كانت بينها وبين فرنسا أخوة دينية ومساواة ، وأنها كانت تدعو إلى ذلك عقيدة ، والذي يزلزل هذه الفرية ما جاء في (آثار الإمام ابن باديس)(3/ 383 ـ 384) : (( الأمة الجزائرية أمة متكونة موجودة كما تكونت ووجدت كل أمم الدنيا. ولهذه الأمة تاريخها الحافل بجلائل الأعمال، ولها وحدتها الدينية واللغوية ولها ثقافتها الخاصة وعوائدها وأخلاقها بما فيها من حسن وقبيح، شأن كل أمم الدنيا ، ثم إن هذه الأمة الجزائرية الإسلامية ليست هي فرنسا، ولا يمكن أن تكون فرنسا، ولا تستطيع أن تصير فرنسا ولو أرادت ، بل هي أمة بعيدة عن فرنسا كل البعد في لغتها وفي أخلاقها وفي عنصرها وفي دينها،
لا تريد أن تندمج. ولها وطن محدود معين هو الوطن الجزائري بحدوده الحالية المعروفة ...
فجلينا بكلمتنا هذه الحقيقة مكشوفة في وضح النهار، وقطعنا الطريق على كل متقول بالباطل وأرحنا كل باحث ومتردد من بحثه وتردده. ))
وفي الأخير نقول لأولئك الذين يحاربون علماء الجزائر ودعوتهم السلفية ، ويسعون إلى وأد تاريخها ومجدها العريق وأعمالها الزكية وخصائصها الجهادية ، أرحموا أنفسكم ، أنتم تسعون إلى الموت والهلاك كما ماتت فرنسا والصوفية . وبالمناسبة نذكركم بما قاله الإمام في أمثالكم لعلكم تتعظون ، وتخرس ألسنتكم : (( إن جمعية العلماء المسلمين الجزائريين تعلم ما تجتازه الأمة اليوم في طريق نهضتها من وقت حرج، ومصاعب جمة، وما يحف بها من أخطار، وما ينصب لها من عراقيل، وما يتجاذبها من عوامل التفريق من الخارج ومن الداخل، وأن الجمعية التي بثت روح النهضة في الأمة بما دعت إليه من الرجوع إلى الكتاب والسنة والمحافظة على الجنس واللغة، والاعتزاز بالإسلام والعروبة حتى عرفت الأمة نفسها، ووجهت للحياة السعيدة رغبتها، ووجد السبيل إلى مخاطبتها وتفهيمها من أراد- بحق أو بباطل- قيادتها أن الجمعية التي بثت هذه النهضة هي حارستها في جميع أطوارها والمدافعة عنها بكل ما لديها، والصابرة على البلاء من القريب والبعيد في سبيلها.
إن أعداء الأمة الذين تمثلهم الجرائد الاستعمارية الكبرى هنا وهنالك ويصدع بأمرهم كراسي متنوعة، ما فتئوا يوالون ضرباتهم، ويعيدون هجماتهم على الجمعية لأنهم يرون فيها حياة الأمة ويشاهدون فيها السد الحصين دون ما يرغبون من ذوبان الأمة وانحلالها لإفنائها وابتلائها وتنقصها من أطرافها فكل ما تجتازه الأمة اليوم وما تعانيه وما تلاقيه هو ما تجتازه الجمعية وما تعانيه وما تلاقيه على أبلغه وأشده، لأن الجمعية هي الأمة، والأمة هي الجمعية.
إن جمعية العلماء المسلمين الجزائريين- كالمسلمين الجزائريين- جبلت على النضال والمقاومة والصبر والمصابرة وقد صبرت لغشم الحكومة وأذنابها وكيد الاستعمار وجرائده، ولن تزال ثم لن تزال.
ولقد ولدت الأيام الجارية والظروف الحاضرة مقاومين جددا ينطحون صخرتها برؤوسهم الحاسرة وينحتون أثلتها بأظافرهم المتآكلة ويضربون على نغمات من تقدمهم من أعداء الأمة والجمعية ويخدمون عن علم أو عن غير علم، مقاصد من يحاربون في الجمعية روح الإسلام والعروبة، فهنالك في عمالة قسنطينة وهنا بعمالة الجزائر من يعملون لرفع أنفسهم بالحط من الجمعية ويموهون على الأمة بما يقولونه عليها وعلى رجالها ))([3])
([1]) ولا ننسى بهذه المناسبة رذالة الحدادية ومن يقود حزبهم الأشري الذين ما عرفوا إلا بعداوة للسنة وأهلها
([2]) مقدمة (آثار الإمام محمد البشير الإبراهيمي)(1/ 35 ـ 38)
([3]) (آثار الإمام ابن باديس)(3/ 359 ـ 360 )




رد مع اقتباس