دفع وساوس العيد شريفي التي طعن بها في الشيخين ربيع المدخلي وعلي فركوس والتي ألصقها بهتانا وزورا بالمنهج السلفي
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه الكرام
أما بعد :
فقد نُشر في منتدى الحلبي ( كل السلفيين) كلمة مسجلة للعيد شريفي الجزائري ينتقد فيها فضيلة الشيخ المبجل المحترم الأريب أباعبدالمعز ـ حفظه الله ورعاه ـ لما أنكر على الحركيين الثوريين وأصحاب المظاهرات والمسيرات أعمالهم الإجرامية الشنيعة التي ما يتولد منها إلا التفرقة في الأمة الإسلامية، و ما يجنى منها إلا الوهن والإحن والمحن ، والتي من أفحشها وأقبحها كما قال فضيلته :" قد بدت للعيان نزعاتُ أهواءٍ على سطح السَّاحة الدَّعوية تحاول نَزْع الثقة بالعلماء الأمَّة ومشايخها ، والتقليلَ من مركزهم الأدبيِّ وأثرهم الاجتماعي ... لذلك لا ينبغي إذا اعترف النَّاس بأعلمية الشخص وتقواه أن يُــتاجسر عليه ... فتجد بعض المنتسبين لهذا المنهج يشكِّك في جدارتهم وقيادتهم وريادتهم ... إنَّ الشَّيخ ربيعًا حفظه الله تعالى معروفٌ بعلمه وصناعته الحديثية وتقواه وحرقته على المنهج والَّذين تكلَّم فيهم ظهروا على ساحات المظاهرات الأخيرة علنًا وبرفع الأصوات على الوجه الَّذي لا يُرتضى : فأيَّدوا الخروج ووقفوا مع الديمقراطيِّن وفتحوا المجال للدخول
في المجالس التشريعية ." .
فنزع ثقة العلماء من قلوب الأمة الإسلامية وتشكيك في مرجعيتهم
ومسايرة الأنظمة والوسائل الغربية من الدخول والمشاركة في البرلمانات والانتخابات وإنشاء الجمعيات وإحداث المظاهرات والمسيرات والقواعد الضالة والمحدثات للاحتجاج والاعتذار ، وللمحافظة على هيمنة الهيئات والجماعات الإسلامية المحدثة وزعمائها، هو من أبرز وأظهر عوامل الصراع والنزاع بين أهل الحق و أهل الباطل ، ولكن أهل الباطل والأهواء يسعون في طمس هذه الحقيقة وسترها بأقنعة غلفوها بالتلبيس والكذب والخديعة وصرفها إلى مواطن ليست هي محل النزاع والصراع والتي منها أن الشيخ ربيعا المدخلي ما تكلم فيمن تكلم فيه إلا لأغراض شخصية ، أو أن المسائل التي انتقد فيها خصومه مسائل اجتهادية قد خالفه فيها العلماء ، وما قلده فيها إلا اتباعه ومن تأثر بفتنه ـ زعموا ـ !!!
فقد ضج وعج الحزبية وكل من تنكر للمنهج السلفي وأهله ، بهذه الثرثرة وملؤوا بها منتدياتهم ومجالسهم وسودوا بها مقالاتهم ونجسوا بها أفواههم ، فشرق وغرب يا أيها القارئ الكريم ، وفحص الجماعات وأفرادها ترى ذلك عيانا .
وما ثرثرة العيد شريفي هذه التي جمعت أمري واستعنت بالله تعالى ـ إحقاقا للحق ومناصرة لأهله في زمان أشتد فيه غربتهم مع قلة المناصر لهم وكثرة المناوئ ـ، للنظر والتأمل في حقيقتها وأهدافها إلا من هذا القبيل ، فقد ظهرت فيها نفحات التكلف والشطط والإجحاف والغلو في الانتقاد الذي يدّعون ويتزعمون ، أن علماء السنة ومنهم ربيع بن هادي المدخلي قد عُدم وفقد من منهجهم النقدي العلمي الإنصاف ، وعدم مراعاة حسنات خصومهم ، وهو هنا لم يراع هذا المنهج الذي يتباكون عليه ، في انتقاده لفضيلة الشيخين ربيع المدخلي وعلي فركوس كما سترى يا أيها القارئ ، بل أعجب من ذلك وأدهى أنه ذهب ينتقد ويخطئ ما هو صواب صحيح في لغة العلم ولسانه ، والله تعالى يقول في كتابه العزيز: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ}[الصف : 3] ، وقال تعالى :{ وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ * الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ * وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ}[1 ـ 3] .
قال الإمام السعدي ـ رحمه الله ـ في التفسير لهذه الآيات الكريمات : ((ودلت الآية الكريمة، على أن الإنسان كما يأخذ من الناس الذي له، يجب عليه أن يعطيهم كل ما لهم من الأموال والمعاملات، بل يدخل في [عموم هذا] الحجج والمقالات، فإنه كما أن المتناظرين قد جرت العادة أن كل واحد [منهما] يحرص على ماله من الحجج، فيجب عليه أيضًا أن يبين ما لخصمه من الحجج [التي لا يعلمها] ، وأن ينظر في أدلة خصمه كما ينظر في أدلته هو، وفي هذا الموضع يعرف إنصاف الإنسان من تعصبه واعتسافه، وتواضعه من كبره، وعقله من سفهه، نسأل الله التوفيق لكل خير.)) ([1]) . وأيضا قد طفح على كلمته هذه طابع تصحيح المظاهرات والمسيرات والدفاع عن أهلها والغضب من أجلهم والإعتذار لهم والانتقاد من أنكر عليهم صنيعهم ، وتجهيل أهل العلم وتنقيص من مكانتهم العلمية والغرور بنفسه وتعطشه أن يذكر مع أهل العلم إذا ذكروا !!
هذا إجمال ما تضمنه كلمه من البوائق الفاسدة والثرثرة الكاسدة ، أما تفتيت كلمه وتفصيله وتوضيحه ، فيكون على النحو التالي :
البيان الأول : قال العيد في (د01) منتقدا الشيخ في كلمته : " والتقليلَ من مركزهم الأدبيِّ وأثرهم الاجتماعي " .
(( أما قوله " الأدبي" ، هذا ما عندناش في الشرع ، لمركزهم ماذا ؟ العلمي ، المكانة التي يأخذها الإنسان ، مركزهم العلمي وأثرهم الدعوي على الناس ، هذه المصطلحات التي تستعمل عندنا ، أما هذا الأدبي والاجتماعي مصطلحات جديدة يعني ))
أقول
أولا : لا يخفى على عامة المسلمين فضلا عن خاصتهم منزلة الآداب والأخلاق في الإسلام وعناية الكتاب والسنة بها والإشادة بذكرها والحث عليها، فالعبد المسلم يعلو عند الله تعالى ويسمو في الأمة الإسلامية وينبل مركزه بتحليه بالأخلاق الحسنة وتمسكه بالآداب الشرعية والشيم المرعية التي حقيقة أنواعها : أدب مع الله سبحانه وأدب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأدب مع خلقه ، وتفصيل ذلك ليس هذا مقامه ، فليرجع إلى مظانه .
وإنما أردت أن أشير إلى أن ما عبر به فضيلة الشيخ علي فركوس ـ حفظه الله ورعاه ـ من قوله :" والتقليلَ من مركزهم الأدبيِّ " لم يخطئ التعبير ويبتعد عن الصواب ، بل هو عين السداد والتوفيق والإصابة ، إذ أن الأدب إذا أطلق في اللغة يراد به : " حُسْنُ الأَخلاق وفِعْلُ المَكَارِم "([2]) ، أما إِطلاقُه على عُلُومِ العَرَبِيَّة فهو مُوَلَّد حَدَث فِي الإِسلام ([3]) ، ولا نظن أن الشيخ أبا عبدالمعز أراد هذا الثاني ، إنما سياق كلامه ومحوره يدور ويدلل على الأول ، والذي لا يكتسب ويصح إلا بالعلم والترقي في منازله ، وعليه فما وجه انتقاده إذ لم يكن إلا التكلف في تخطئته !! ثانيا : إن هذه الألفاظ التي عبر بها الشيخ قد دلت على معناها الصحيح السليم من المحذور الشرعي ، من غير الإخلال في الكلام الصحيح ، وهي قد وفت مقصودها الشرعي الذي أراده الشيخ إيصاله للقارئ المتمثل في إحقاق الحق وكشف ما يضاده من الباطل ، ومن كان كذلك فلا الإنكار عليه ، إذ أن اللغة وجدت وسيلة للإفهام والبيان ، وإنما يدخلها المحذور إذا اتخذت وسيلة للتضليل والخداع والتلبيس ([4]) قال الشيخ حمد بن إبراهيم العثمان في ( دراسة نقدية لقاعدة المعذرة والتعاون)(ص25) : (( الثاني : أن اللفظ معتبر كالمعنى سواء بسواء ولذلك وضع اللفظ للدلالة على معناه الذي يقتضيه ، فالألفاظ قوالب للمعاني ، فإذا كان القالب مخالفا للمعنى الذي يقتضيه دل ذلك على تحايل المتكلم وسوء قصده بغرض التعمية على الخلق أو الخروج من عهدة ما لزمه من أقوال أو دل ذلك على جهل المتكلم حيث استعمل من الألفاظ ما لا يعبر عما في نفسه ومقصوده .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية :" إن معاني الكلام لا تتم إلا بالألفاظ وبمجموع اللفظ والمعنى يصير الكلام كلاما " ( مجموع الفتاوى )(26/25)
وقال ابن القيم :"فإن المتكلم عليه أن يقصد بتلك الألفاظ معانيها والمستمع عليه أن يحملها على تلك المعاني"(إعلام الموقعين)(3/132) )) ا.هـ
البيان الثاني : قال عند قول الشيخ: " لذلك لا ينبغي إذا اعترف النَّاس بأعلمية الشخص وتقواه أن يُــتاجسر عليه ، إذ لا يفعل ذلك إلاَّ من تربيَّ عن مجالس العلماء ومحاضنهم ، أو لم ينتفع ببركة مجالسهم العلمية ومواعظهم الإرشادية"
وذلك في الدقيقة ( 04) وما بعدها : (( هذا منهج صوفي ، علامات المنهج الصوفي بدأت تبدو ... ))
وقال عند قول الشيخ :" إذ لا يفعل ذلك إلاَّ من تربيَّ عن مجالس العلماء ومحاضنهم"
(( هذا خطأ لأن كتقول مجالس العلماء فكل الناس حتى الصوفية يتربوا في مجالس العلماء ...))
وقال عند قول الشيخ :" أو لم ينتفع ببركة مجالسهم العلمية ومواعظهم الإرشادية"
: (( هذه صوفية ))
أقول
لا يخفى على من تأمل كلامه هذا وما بعده ، ما فيه من التزهيد في العلماء وصرف الشباب الإسلامي عن حلقهم العلمية واصطناع الحواجز والموانع التي تحول وتمنع من ثني الركب بين أيديهم وتلقي العلم من أفواههم الذي هو الأصل في الطلب ، وهذا يكاد يكون محل إجماع كلمة من أهل العلم ([5] ) وهذه النبرات التي رجف بها العيد شريفي من التزهيد في مجالس العلماء ما رأيناها وسمعناها إلا من الحركية والصوفية ، ومن ذلك تأمل يا أيها القارئ الكريم ما يقوله التبليغ الصوفية العصرية لجلسائهم من القصص والحكايات التي تزهد في العلم وأهله
جاء في كتاب ( القطبية هي فتنة فاعرفها)( ص 13) : (( اعلم ـ رحمك الله ـ بأنّ لهم جلستين: جلسة ليلة الثلاثاء، وجلسة ليلة الأربعاء.
الجلسة الأولى: للعائدين من الخروج، يُحضر لهم مَن يريدون تشجيعه للخروج معهم، أو التأثير عليه.
والجلسة الثانية: الترتيب للخروج عصر الأربعاء؛ فيقول أمير تلك الجلسة لأحد الخارجين ـ ليُعْلِمَ الجددَ من المستمعين ـ: كم يومًا خرجت ؟ فيجيبه الخارج: خرجت أربعة أشهر في سبيل الله. فيقول له: ما شاء الله، أين قضيتها ؟ فيقول له الخارج: قضيت عشرة أيام في الدول الخليجية، وعشرين يومًا في أدغال إفريقيا، وشهرًا في أوروبا، وشهرًا في أمريكا الجنوبية، وشهرًا في شرق آسيا والهند وباكستان، فيقول له أمير الجلسة ـ وانتبه ـ: ما شاء الله أنت داعية، والداعية مثل السحاب يَمرُّ على الناس في أرضهم فيسقيهم، بخلاف العلماء، فإنَّهم أشبه بالآبار إذا أصابك الظمأ على بعد مسافة ميل، قد يقتلك العطش قبل أن تأتي تلك الآبار، بل قد لا تشرب؛ لأنَّ الدلو التي تلقى فيها غير موجودة، فإذا أردت الشرب فلابدّ من الحضور عند حافة البئر، ثمّ تلقي الدلو، ثمّ تجذب حتى تشرب.
هل انتبهت لِمَا انقدح في نفسك ـ كما انقدح في نفوس السامعين له ـ من تفضيل الداعية على العالم ؟
فإذا أراد أحدهم أن يجلس لطلب العلم تذكّر تلك القصّة؛ فأراد أن يكون سحابًا لا أن يكون بئرًا من الآبار....
وإليك ـ أيضًا ـ قصة أخرى، لعلّك تزداد بهم بصيرة:
يقول أحدهم ـ بحضور المبتدئين ـ لرجل يريد طلب العلم الشرعي: إلى أين تذهب يا فلان ؟ قال له الآخر: سأذهب لطلب العلم. فيجيبه الأوّل: لماذا ؟ فيقول الآخر: لأعرف الحلال من الحرام. فيقول الأوّل: سبحان الله، أنت لا تعرف الحلال من الحرام ؟! ألم تسمع قول النبي صلى الله عليه وسلم: "استفت قلبك وإن أفتاك المفتون".
سبحان الله ! إلى الآن لا تعرف الحلال من الحرام وكثير من الدواب يعرف ذلك ؟! ألا ترى إلى أنّ القطة حينما تضع طعامك في مكان ثمّ تذهب عنه ثمّ تعود إليه بعد حين، فترى القطة تأكل منه فإنَّها ما إن تراك إلاّ وتهرب، بخلاف ما إن جلست على مائدة طعامك ثمّ وضعت لها بجوارك شيئًا من الطعام فإنّها ستأتي حتى تأكله عندك.
فالأولى علِمَت أنَّها وقعت في حرام، فلذا هربت منك، والثانية علِمت أنَّها وقعت في حلال، ولذا أكلت معك. يا أخي العقول المؤمنة تميّز بين الحلال والحرام، <استفت قلبك وإن أفتاك المُفتون>. فيا أُخَيَّ: هل يرضيك هذا التمثيل وهذه النظرة ؟!! ))
أما القطبية السرورية الحركية فقد اصطنعوا أغلفة كثيفة كثيرة لتزهيد في العلماء ومجالسهم إذ وصفوهم بأنهم علماء سلطان وأنهم حاشية حكام ولا يفقهون الواقع وهلم جرا
وهذا المنهج الخبيث قد اصطنعه وحمله قديما وبثه في الأمة الإسلامية أهل الكلام والصوفية وما هؤلاء المتأخرة إلا اتباع لأولئك السلف الطالح .
قال الإمام ابن القيم ـ رحمه الله ـ في (مدارج السالكين )(2/ 438 ـ 439) : (( وَأَمَّا الْكَلِمَاتُ الَّتِي تُرْوَى عَنْ بَعْضِهِمْ: مِنَ التَّزْهِيدِ فِي الْعِلْمِ، وَالِاسْتِغْنَاءِ عَنْهُ. كَقَوْلِ مَنْ قَالَ: نَحْنُ نَأْخُذُ عِلْمَنَا مِنَ الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ، وَأَنْتُمْ تَأْخُذُونَهُ مِنْ حَيٍّ يَمُوتُ.
وَقَوْلِ الْآخَرِ - وَقَدْ قِيلَ لَهُ: أَلَا تَرْحَلُ حَتَّى تَسْمَعَ مِنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ - فَقَالَ: مَا يَصْنَعُ بِالسَّمَاعِ مِنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، مَنْ يَسْمَعُ مِنَ الْخَلَّاقِ؟
وَقَوْلِ الْآخَرِ: الْعِلْمُ حِجَابٌ بَيْنَ الْقَلْبِ وَبَيْنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ.
وَقَوْلِ الْآخَرِ: لَنَا عِلْمُ الْحَرْفِ. وَلَكُمْ عِلْمُ الْوَرَقِ.
وَنَحْوِ هَذَا مِنَ الْكَلِمَاتِ الَّتِي أَحْسَنُ أَحْوَالِ قَائِلِهَا: أَنْ يَكُونَ جَاهِلًا يُعْذَرُ بِجَهْلِهِ، أَوْ شَاطِحًا مُعْتَرَفًا بِشَطْحِهِ، وَإِلَّا فَلَوْلَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ وَأَمْثَالُهُ، وَلَوْلَا أَخْبَرَنَا وَحَدَّثَنَا لَمَا وَصَلَ إِلَى هَذَا وَأَمْثَالِهِ شَيْءٌ مِنَ الْإِسْلَامِ.
وَمَنْ أَحَالَكَ عَلَى غَيْرِ أَخْبَرَنَا وَحَدَّثَنَا فَقَدْ أَحَالَكَ: إِمَّا عَلَى خَيَالِ صُوفِيٍّ، أَوْ قِيَاسِ فَلْسَفِيٍّ. أَوْ رَأْيِ نَفْسِيٍّ. فَلَيْسَ بَعْدَ الْقُرْآنِ وَأَخْبَرَنَا وَحَدَّثَنَا إِلَّا شُبَهَاتُ الْمُتَكَلِّمِينَ. وَآرَاءُ الْمُنْحَرِفِينَ، وَخَيَالَاتُ الْمُتَصَوِّفِينَ، وَقِيَاسُ الْمُتَفَلْسِفِينَ. وَمَنْ فَارَقَ الدَّلِيلَ، ضَلَّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ. وَلَا دَلِيلَ إِلَى اللَّهِ وَالْجَنَّةِ، سِوَى الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ. وَكُلُّ طَرِيقٍ لَمْ يَصْحَبْهَا دَلِيلُ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ فَهِيَ مِنْ طُرُقِ الْجَحِيمِ، وَالشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ.
وَالْعِلْمُ مَا قَامَ عَلَيْهِ الدَّلِيلُ. وَالنَّافِعُ مِنْهُ: مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ. ))
قلت ( بشير) : بهذا النقل والتقرير يتضح أن الذي يزهد في العلم ومجالس أهله هم الصوفية كما هو شأن العيد شريفي ، لا الذي يحث على الجلوس إلى العلماء والاستماع إلى كلامهم وإلى حدثنا واخبرنا كما هي نصيحة فضيلة الشيخ علي فركوس .
ثانيا : إن قصة مالك بن الحويرث ووفد عبد القيس التي استشهد بها للتزهد في مجالس العلماء وحلق العلم حجة عليه لا له ، إذ هي نص فيما قرره فضيلة الشيخ علي فركوس من الجلوس إلى أهل العلم واحترامهم والاكتساب منهم العلم والتربية ولو اقتضى ذلك الرحيل والسفر إليهم .
قال الإمام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ مبينا حكم السفر إلى النبي صلى الله عليه وسلم : (( وأيضا فالسفر إليه في حياته؛ إما أن يكون لما كانت الهجرة إليه واجبة كالسفر قبل الفتح، فيكون المسافر إليه مسافرا للمقام عنده بالمدينة مهاجرا من المهاجرين إليه ...
وإما أن يكون المسافر إليه وافدا إليه ليسلّم عليه ويتعلّم منه ما يبلّغه قومه؛ كالوفود الذين كانوا يفدون إليه- لا سيما سنة عشر- سنة الوفود ... ومن الوفود وفد عبد القيس لما قدموا عليه ورجعوا إلى قومهم بالبحرين، لكن هؤلاء أسلموا قديما قبل فتح مكة، وقالوا: لا نستطيع أن نأتيك إلا في شهر حرام لأن بيننا وبينك هذا الحي من كفار مضر، وهم أهل نجد كأسد وغطفان وتميم وغيرهم، فإنهم لم يكونوا قد أسلموا بعد. وكان السفر إليه في حياته لتعلّم الإسلام والدين ولمشاهدته وسماع كلامه، وكان خيرا محضا )) ([6]) ثالثا : قوله :" فكل الناس حتى الصوفية يتربوا في مجالس العلماء"
هذا من تلاعبه بعقول الشباب ، وتنقصه وتهوينه من فائدة مجالسة أهل العلم ، إذ يريد أن يقول إذا كان الصوفية يجلسون إلى العلماء ولم يستفيدوا منهم الهدي والعلم فما فائدة من مجالسة أهل العلم !!
وهو في ذلك يتغافل عن طبائع المنافقين وأهل الأهواء وما أتوا من الموانع والحواجز التي تمنعهم من اكتساب العلم والإيمان من أهل العلم والصلاح ، ولو جلسوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، قال الله تعالى عنهم مبينا حالهم لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم :{ وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ }[محمد :16]
قال الإمام ابن تيمية في ( قاعدة في المحبة)(ص: 22) : (( وهذه حال من لم يفقه الكتاب والسنة بل يستشكل ذلك فلا يفقهه أو قرأه متعارضا متناقضا وهي صفة المنافقين ))
وقد قيل : النَّاسُ ثَلَاثَةٌ: فَسَامِعٌ عَامِلٌ، وَسَامِعٌ غَافِلٌ، وَسَامِعٌ تَارِكٌ ([7]) رابعا : قوله منتقدا قول الشيخ :"أو لم ينتفع ببركة مجالسهم" ، أن هذه صوفية
هذا من جهله بحقيقة الألفاظ ومعانيها الصحيحة في الشرع !!
سئل الإمام ابن عثيمين ـ رحمه الله ـ : عن قول العامة: "تباركت علينا؟ "، "زارتنا البركة؟ ".
فأجاب قائلا: قول العامة: "تباركت علينا" لا يريدون بهذا ما يريدونه بالنسبة إلى الله -عز وجل- وإنما يريدون أصابنا بركة من مجيئك، والبركة يصح إضافتها إلى الإنسان، قال أسيد بن حضير لما نزلت آية التيمم بسبب عقد عائشة الذي ضاع منها قال: " ما هذه بأول بركتكم يا آل أبي بكر ".
وطلب البركة لا يخلو من أمرين:
الأمر الأول: أن يكون طلب البركة بأمر شرعي معلوم مثل القرآن الكريم قال الله تعالى: {وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ} فمن بركته أن من أخذ به وجاهد به حصل له الفتح، فأنقذ الله به أمما كثيرة من الشرك، ومن بركته أن الحرف الواحد بعشر حسنات، وهذه توفر للإنسان الجهد والوقت.
الأمر الثاني: أن يكون طلب البركة بأمر حسي معلوم، مثل العلم، فهذا الرجل يتبرك به بعلمه، ودعوته إلى الخير، قال أسيد بن حضير: "ما هذه بأول بركتكم يا آل أبي بكر "، فإن الله قد يجري على أيدي بعض الناس من أمور الخير ما لا يجريه على يد الآخر.
وهناك بركات موهومة باطلة مثل ما يزعمه الدجالون أن فلانا الميت الذي يزعمون أنه ولي أنزل عليكم من بركته، وما أشبه ذلك، فهذه بركة باطلة لا أثر لها، وقد يكون للشيطان أثر في هذا الأمر لكنها لا تعدو أن تكون آثارا حسية، بحيث إن الشيطان يخدم هذا الشيخ فيكون في ذلك فتنة.
أما كيفية معرفة هل هذه من البركات الباطلة أو الصحيحة؟
فيعرف ذلك بحال الشخص، فإن كان من أولياء الله المتقين المتبعين للسنة المبتعدين عن البدعة، فإن الله قد يجعل على يديه من الخير والبركة ما لا يحصل لغيره، أما إن كان مخالفا للكتاب والسنة، أو يدعو إلى باطل، فإن بركته موهومة، وقد تضعها الشياطين له مساعدة على باطله. ا.هـ ([8]) وقال العلامة المفتي أحمد حماني ـ رحمه الله ـ عند جواب على قول السائل :" كنا نزور المشايخ بنية خالصة" : ((الزيارة الشرعية تكون للشيخ إذا كان من ذوي العلم و الفهم و الصلاح و يأخذ منه المنقول و المعقول و يرجع بفوائد جمة كما كان عالم المدينة بها و أبو حنيفة في العراق هذه الزيارة هي المأذون فيها و كانت تضرب إليه آباط الإبل )) ([9]) خامسا : إن من أصول أهل السنة والجماعة هو احترام أهل العلم والإيمان وتبجيلهم وتعظيمهم ، وقد أخل بهذا الأصل طوائف أهل البدع والأهواء ، وهو من اظهر علامات زيغهم وضلالهم .
قال الإمام أبوحاتم الرازي ـ رحمه الله ـ : (( مَذْهَبُنَا وَاخْتِيَارُنَا اتِّبَاعُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابِهِ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ بِإِحْسَانٍ .. وَالتَّمَسُّكُ بِمَذْهَبِ أَهْلِ الْأَثَرِ مِثْلِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ , وَإِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ , وَأَبِي عُبَيْدٍ الْقَاسِمِ بْنِ سَلَّامٍ , وَالشَّافِعِيِّ. وَلُزُومُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ , وَالذَّبُّ عَنِ الْأَئِمَّةِ الْمُتَّبِعَةِ لِآثَارِ السَّلَفِ , وَاخْتِيَارُ مَا اخْتَارَهُ أَهْلُ السُّنَّةِ مِنَ الْأَئِمَّةِ فِي الْأَمْصَارِ مِثْلُ: مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ فِي الْمَدِينَةِ , وَالْأَوْزَاعِيِّ بِالشَّامِ , وَاللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ بِمِصْرَ , وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ , وَحَمَّادِ بْنِ زِيَادٍ بِالْعِرَاقِ مِنَ الْحَوَادِثِ مِمَّا لَا يُوجَدُ فِيهِ رِوَايَةٌ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ...
وَعَلَامَةُ أَهْلِ الْبِدَعِ الْوَقِيعَةُ فِي أَهْلِ الْأَثَرِ. وَعَلَامَةُ الْجَهْمِيَّةِ أَنْ يُسَمُّوا أَهْلَ السُّنَّةِ مُشَبِّهَةً وَنَابِتَةً. وَعَلَامَةُ الْقَدَرِيَّةِ أَنْ يُسَمُّوا أَهْلَ السُّنَّةِ مُجَبِّرَةً. وَعَلَامَةُ الزَّنَادِقَةِ أَنْ يُسَمُّوا أَهْلَ الْأَثَرِ حَشْوِيَّةً. وَيُرِيدُونَ إِبْطَالَ الْآثَارِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. )) ([10]) قال العلامة محمد بن هادي المدخلي ـ حفظه الله ـ في كتابه ( الإقناع بما جاء عن أئمة الدعوة من أقوال في الاتباع)(ص 108) ناقلا عن العلامة الفقيه المحدث الأصولي الشيخ سليمان بن عبدالله بن محمد بن عبدالوهاب ـ رحمهم الله ـ في هذا الشأن : (( ولسنا نقول: إن الأئمة على خطأ، بل هم إن شاء الله على هدى من ربهم، وقد قاموا بما أوجب الله عليهم من الإيمان بالرسول صلى الله عليه وسلم ومتابعته، ولكن العصمة منتفية عن غير الرسول، فهو الذي {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى}[سورة النّجم: 3-4] . )) ا.هـ ([11]) وقال الشيخ محمد في (ص 109) : (( فاحترامهم شيء ، والغلو فيهم إلى درجة ادعاء العصمة لهم شيء آخر ، فهذا الذي نعتقده ، وندين الله تعالى به .
ومن نسب إلينا غيره ، أو نسبنا إلى غيره فهو مفتر )) ا.هـ
وقال في (ص 114) ناقلا عن الإمام المجدد شيخ الإسلام محمد بن عبدالوهاب قوله في رسالته التي بعث بها إلى الشيخ عبدالعزيز الحصين مجيبا عن المسائل التي سأل عنها حول ( الزكاة والمضاربة والنقود المغشوشة) : ((فينبغي، للمؤمن أن يجعل همه ومقصده معرفة أمر الله ورسوله مسائل الخلاف، والعمل بذلك .
ويحترم أهل العلم ويوقرهم ولو أخطئوا، لكن لا يتخذهم أربابا من دون الله هذا طريق المنعم عليهم. أما اطراح كلامهم وعدم توقيرهم فهو طريق المغضوب عليهم.
وأما اتخاذهم أربابا من دون الله، إذا قيل قال الله ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، قيل هم أعلم منا ، فهذا هو طريق الضالين )) ا.هـ ([12])
يتبع إن شاء الله .....
([1]) ( تيسير الكريم الرحمن)(ص: 915)
([2]) (تاج العروس)(2/ 12)
([3]) نفس المصدر
([4]) انظر كتاب (كتاب الدراسات اللغوية والنحوية في مؤلفات شيخ الإسلام ابن تيمية)(ص 83) وما بعدها من الصفحات في تقرير هذه المسألة
([5]) انظر ( حلية طالب العلم وشرحها)(ص 88 ـ 98) للإمام ابن عثيمين ـ رحمه الله ـ
([6]) (الرد على الإخنائي)(ص: 154)
([7]) (جامع البيان عن تأويل آي القرآن)(21/ 203)
([8]) (مجموع فتاوى ورسائل العثيمين)(3/ 91)
([9]) انظر رسالة ( أعراس الشيطان الزردة والوعدة)(ص 40)
([10]) (شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة)(1/ 202)
([11]) انظر (تيسير العزيز الحميد في شرح كتاب التوحيد )(ص: 475)
([12]) انظر ( مجموعة الرسائل النجدية)(1/12)