البيان الرابع : قال فضيلة الشيخ فركوس مبينا أحوال الذين نصبوا العداوة لعلماء أهل السنة والجماعة ومستواهم الأدبي والعلمي :" فتجد بعض المنتسبين لهذا المنهج يشكِّك في جدارتهم وقيادتهم وريادتهم ، وهو في حدِّ ذاته محروم الفهم الدقيق ، لا يعرف أبسط أبجديات التعامل الأخلاقيِّ والأدبيِّ الذي يلتزمه السَّلفيُّ مع ذوي العلم والفضل وغيرهم ."
قال العيد شريفي معلقا ( د09):(( مع من يتكلم هو؟ يتكلم مع ناس لهم المكانة العلمية في الساحة))
أقول
هكذا يتألم ويتوجع العيد شريفي على دعاة التحزب والخروج والانقلابات والثورات والمظاهرات والمسيرات من أمثال محمد حسان وأبي إسحاق الحويني والمغراوي وعدنان العرعور ومن كان على طرزهم الذين ظهروا في هذه الآونة والأحداث الأخيرة المؤلمة التي نزلت بالأمة الإسلامية على حقيقتهم الفاضحة لكل صغير وكبير ، وهذا بعد ما أظهر وكشف حقيقتهم علماء السنة والجماعة ، وحذروا منهم ، وأمروا الأمة بهجرهم والابتعاد عنهم لما عرفوا به من البدعة والخروج عن منهج السلف الصالح والابتعاد عنه ، واشتهروا بالفساد والإفساد في الأرض .
ولكن العيد شريفي لم يقم لكلام علماء السنة في هؤلاء وزنا ولم يرفع به رأسا ، ولا أخذته الحمية والغيرة على أصول السنة والمنهج السلفي الذي سعوا إلى تخريبه والتشكيك في ثوابته والطعن في حملته ، ولا بكى أو تألم أو توجع على دماء المسلمين التي سفكت والعائلات المسلمة التي تشردت وممتلكات الأمة التي خربت وأفسدت والسبل التي قطعت والشعائر التي ضيعت بسببهم ، فذهب يحامي ويدافع عنهم ويسخر ويتجاهل من يرد عليهم وينتقدهم في أعمالهم الإجرامية ويبين أحوالهم ونتائجها المرة للأمة ، والعجب من ذلك يصفهم ـ مع كل ما فعلوه وقاموا به من الأعمال الإجرامية الإفسادية ـ ، بأن " لهم المكانة العلمية في الساحة" !!! ، وتجاهل أن أهل البدع والأهواء ليس لهم أي كرامة ومكانة و منزلة في الأمة ، لما قد انعقد الإجماع من سلف الأمة الصالح على إذلالهم وإقصائهم وإبعادهم وهجرهم والتحذير منهم مهم بلغت منزلتهم في أنظار أقواهم واتباعهم .
قال ابن الجوزي : (( وقد كان الإمام أبوعبدالله أحمد بن حنبل لشدة تمسكه بالسنة ونهيه عن البدعة يتكلم في جماعة من الأخيار إذا صدر منهم ما يخالف السنة ، وكلامه محمول على النصيحة للدين )) ([1])
ولكن العيد شريفي تعامى عن هذا المسلك الصحابي السلفي وما ذاك إلا لما قد أصب به من فيروسات الحزبية وأمراضها القاتلة للولاء والبراء السني التي تدعو إلى تقارب أهل السنة بأهل البدعة ، والتي تخيل إلى لمن أصب بأمراضها أن إساقط الرموز أمر صعب .
قال فضيلة الشيخ الدكتور محمد بازمول ـ حفظه الله ورعاه ـ في (عبارات موهمة)
(( قول بعضهم: "إسقاط الرموز أمر صعب".
هكذا يبرر بعض الناس موقفه من البدع وأهلها؛ فإذا ما جاءت بدعة من أحد الناس ممن له نصيب في الشهرة امتنع عن فضحه ببدعته والتحذير منه، مبرراً موقفه هذا بأن الرموز صعب أن يسقطوا، وهذا تبرير باطل من وجوه منها:
الوجه الأول : أن الرجال يعرفون بالحق، و لا يعرف الحق بالرجال، اعرف الحق تعرف أهله، فهذا الرجل خالف الحق ووافق أهل البدع والأهواء وقال بمقولتهم فالحق ليس معه وينبغي التحذير مما معه من الباطل.
الوجه الثاني : أن الواجب الكفائي من النصيحة والأمر بالمعروف يحتم إشهاره ببدعته تحذيراً ونصيحة للمسلمين حتى لا يقعوا فيما وقع فيه من الباطل.
الوجه الثالث : أن الحق فوق كل أحد، ومن الكلمات المشهورة في ذلك: "فلان حبيب إلى قلبي لكن الحق أحب إلى قلبي منه"، فأنت حينما تعتمد فلاناً وتسكت عن بدعته جعلته مقدماً على الحق، ورفعته عليه، وماذا بعد الحق إلا الضلال؟! فأنت بهذا جعلت هذا الشخص الذي وصفته بالرمز مقدماً على الحق فوقعت في الضلال.
الوجه الرابع : أن هذا خلاف منهج السلف الصالح الذين تكلموا في أناس هم بمقاييس عصرنا من العلماء الكبار ومع ذلك لما صدر منهم ما يخالف ما عليه السلف الصالح أنكر عليهم ونسبوا إلى البدعة التي وقعوا فيها تحذيراً ونصيحة.
الوجه الخامس : تطبيق هذه العبارة يخالف صراحة المنهج الذي قرره السلف في أخذ العلم: "إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم"، فما بالك برجل يؤخذ عنه الحديث والتفسير والعقيدة والفقه، هل يسكت عما معه من البدعة بدعوى أن الكلام في الرموز صعب، أو يتكلم فيه وفي بدعته ويشهر أمره تحذيراً ونصيحة حتى لا يغتر الناس به وببدعته؟ لا شك أن الواجب هو البيان وإلا فإن سكوتك عن بيان حاله تدليس وتلبيس على المسلمين ولعلك تكون سبباً فيما يبثه بين الناس من بدعة وضلالة بهذا الموقف!
الوجه السادس : أن حقيقة هذه العبارة هي تطبيق لمنهج الموازنات ، وهو منهج باطل يضيع ويميع الدين،و ما يعود الحق واضحاً جلياً، بل فيه إماتة للحق وضياع لأهله، إلا أن يشاء الله.
الوجه السابع : هذه العبارة فيها تحزب وولاء وبراء لهذا الذي وصف بأنه رمز، جُعل هو الأصل للبراء والولاء بدلاً من الحق، وهذه من صفات أصحاب السبل الشيطانية، الذين يدعون أصحابها إلى النار.
الوجه الثامن : أن هذه العبارة خروج عن منهج السلف فما سمعنا مثل هذه العبارة تقال في حق أحد من أئمة السلف ، وكل خير في إتباع من سلف وكل شر في ابتداع من خلف!
الوجه التاسع : ثم ما هو ضابط الرمز عندك ؟ كيف صار هذا الرجل عندك من الرموز؟ ومن الذي صرح لك أو له أن يكون رمزاً؟ يا أخي رحم الله رجلاً عرف قدر نفسه. وفي الحديث الصحيح: عن عياض بن حمار، أخي بني مجاشع، قال: قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم خطيبا. فقال "إن الله أمرني .... وإن الله أوحى إلى أن تواضعوا حتى لا يفخر أحد على أحد، ولا يبغي أحد على أحد".
الوجه العاشر : إسقاط الرجل أو رفعته أمر بيد الله يصرفه كيف يشاء، ليس من شأنك؛ أدّ أنت الواجب الذي عليك من بيان الحق وإنكار المنكر، وتحذير الناس من بدعته، فإن قبل وتواضع للحق ورجع وتاب وأناب فإن الله سبحانه سيرفعه - إن شاء سبحانه - فإن من تواضع لله رفعه، وإن بغى واعتدى فهذا رجل من أهل البدع كيف يتباكى عليه وعلى إسقاطه، سبحان الله! )) ا.هـ
إن العيد شريفي بدفاعه ومنافحته ومجادلته عن أولئك الحزبية وأهل الإجرام والإفساد قد أظهر صفحته الحقيقية للأمة وأبان عن معتقده الحزبي البدعي الذي خطه لنفسه ، وهو بهذا قد جنى على نفسه جناية عظيمة ، وفضح نفسه أيما فضيحة .
وصدق من قال :
ومهما تكن عند امرئ من خليقة ... وإن خالها تخفى على الناس تعلم
قال فضيلة الشيخ خَالد بن ضَحَوي الظَّفيري ـ حفظه الله ورعاه ـ في كتابه (إجماع العلماء على الهجر والتحذير من أهل الأهواء)(ص 106 ـ 111)
(( قال الإمام أبو عبد الله عبيد الله بن بطة العكبري - رحمه الله -:" ولا تشاور أحداً من أهل البدع في دينك، ولا ترافقه في سفرك، وإن أمكنك أن لا تقربه في جوارك.
ومن السنة مجانبة كل من اعتقد شيئاً مما ذكرناه ( أي: من البدع)، وهجرانه، والمقت له، وهجران من والاه، ونصره، وذب عنه، وصاحبه، وإن كان الفاعل لذلك يظهر السنّة " (الشرح والإبانة)( ص 282).
قلت: رحم الله الإمام ابن بطة، فعن علم تكلم، وبحكمة نطق، فبعد أن بين أن هجر أهل الأهواء والبدع ومقتهم من أصول السنة، نبّه على أن من ناصر أهل البدع ووالاهم وذب عنهم، وصاحبهم، وإن كان يظهر السلفيّة، فإنه يلحق بهم، ويأخذ حكمهم، ويعامل معاملتهم في الهجر وغيره.
وقد بين ذلك ووضحه عدد من الأئمة - أيضاً -، ومستندهم في ذلك ما جاء في حديث عائشة ـ رضي الله عنها - قالت: قال رسول - - صلى الله عليه وسلم --:" الأرواح جنود مجنّدة، فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف " رواه البخاري، ومسلم.
قال ابن مسعود - - رضي الله عنه - -:" إنما يماشي الرجل، ويصاحب من يحبه ومن هو مثله "( الإبانة لابن بطة ( 2/476 ).
وقال أبو الدرداء -- رضي الله عنه --:"من فقه الرجل ممشاه ومدخله ومجلسه"(الإبانة لابن بطة)( 2/464 )
وعن معاذ بن معاذ قال: قلت ليحيى بن سعيد: يا أبا سعيد الرجل وإن كتم رأيه لم يخف ذاك في ابنه ولا صديقه ولا جليسه " (الإبانة)( 2/479 ).
وقال قتادة: إنا والله ما رأينا الرجل يصاحب من الناس إلا مثله وشكله فصاحبوا الصالحين من عباد الله لعلكم أن تكونوا معهم أو مثلهم(الإبانة)( 2/480).
وقال أبو داود السجستاني - رحمه الله -:" قلت لأبي عبد الله أحمد بن حنبل: أرى رجلاً من أهل البيت مع رجل من أهل البدع، أترك كلامه؟ قال: لا، أو تُعْلِمه أن الذي رأيته معه صاحب بدعة، فإن ترك كلامه وإلا فألحقه به، قال ابن مسعود: المرء بخدنه"(طبقات الحنابلة)( 1/160).
قال الشيخ حمود التويجري عن هذه الرواية وتطبيقها على أهل البدع كجماعة التبليغ:" وهذه الرواية عن الإمام أحمد ينبغي تطبيقها على الذين يمدحون التبليغيين ويجادلون عنهم بالباطل، فمن كان منهم عالماً بأن التبليغيين من أهل البدع والضلالات والجهالات، وهو مع هذا يمدحهم ويجادل عنهم؛ فإنّه يلحق بهم، ويعامل بما يعاملون به، من البغض والهجر والتجنُّب، ومن كان جاهلاً بهم، فإنه ينبغي إعلامه بأنهم من أهل البدع والضلالات والجهالات، فإن لم يترك مدحهم والمجادلة عنهم بعد العلم بهم، فإنه يُلحق بهم ويُعامل بما يُعاملون به."( القول البليغ)( ص : 230-231)
وقال الفضيل بن عياض - رحمه الله -:" الأرواح جنود مجندة، فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف، ولا يمكن أن يكون صاحب سنة يمالئ صاحب بدعة إلا من النفاق".
قال ابن بطة - معلقاً على قول الفضيل -:" صدق الفضيل - رحمه الله - فإنا نرى ذلك عياناً "
(الإبانة)( 2/456).
وقال شيخ الإسلام ابن تيميّة - رحمه الله - فيمن يوالي الاتحادية وهي قاعدة عامة في جميع أهل البدع:" ويجب عقوبة كل من انتسب إليهم، أو ذب عنهم، أو أثنى عليهم أو عظم كتبهم، أو عرف بمساندتهم ومعاونتهم، أو كره الكلام فيهم، أو أخذ يعتذر لهم بأن هذا الكلام لا يدرى ما هو، أو من قال إنه صنف هذا الكتاب ، وأمثال هذه المعاذير، التي لا يقولها إلا جاهل، أو منافق؛ بل تجب عقوبة كل من عرف حالهم، ولم يعاون على القيام عليهم، فإن القيام على هؤلاء من أعظم الواجبات؛ لأنهم أفسدوا العقول والأديان، على خلق من المشايخ والعلماء، والملوك والأمراء، وهم يسعون في الأرض فساداً، ويصدون عن سبيل الله. " (مجموع الفتاوى)( 2/132)
وقد سئل سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز - رحمه الله - في شرحه لكتاب( فضل الإسلام )، ما نصّه: الذي يثني على أهل البدع ويمدحهم، هل يأخذ حكمهم؟
فأجاب - عفا الله عنه -: " نعم ما فيه شكٌّ، من أثنى عليهم ومدحهم هو داعٍ لهم، يدعو لهم، هذا من دعاتهم، نسأل الله العافية".)) انتهى

يتبع إن شاء الله ....
([1]) (مناقب الإمام أحمد)(ص 253)