تتمة الموضوع : الحلقة الثانية :
الأصل الثالث: تقييد دعوة الكتاب بالسنة بفهم السلف الصالح : قال شيخنا الألباني رحمه الله كما في شريط أصول الدعوة السلفية : لماذا لا نكتفي بالانتساب إلى الكتاب والسنة ؟ ثم أجاب بقوله:السبب يعود إلى أمرين اثنين :
أحدهما : متعلق بالنصوص الشرعية ..
والثاني : بواقع الطوائف الإسلامية ..
بالنسبة للسبب الأول :فنحن نجد في النصوص الشرعية أمرا بطاعة شيء آخر إضافة إلى الكتاب والسنة ، كما في قوله تعالى : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ } (59) سورة النساء .وفي قوله تعالى : {وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيرًا} (115) سورة النساء . إن الله عز وجل يترفع عن العبث ولا شك ولا ريب أن ذكره طاعة أولي الأمر وإتباع سبيل المؤمنين إنما هو لحكمة وفائدة بالغة ، فهو يدل على أن هناك واجبا مهما وهو أن إتباعنا لكتاب الله سبحانه ولسنة رسوله صلى الله عليه وسلم يجب أن يكون وفق ما كان عليه المسلمون الأولون ، وهم أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم ثم الذين يلونهم ، ثم الذين يلونهم ، وهذا ما تنادي به الدعوة السلفية .
إذا تقييد دعوة الكتاب والسنة بفهمالصحابة ( بفهم السلف الصالح ) فلا يمكن فهم الكتاب والسنة إلا بفهم الصحابة ، لأنفهمهم هو الذي يبين المراد من النص ، والمراد من الدليل
فقههم وعملهم به ، هو الذي يبين المراد ، هو تفسير وتجسيد للمراد منالوحي . قال حذيفة بن اليمان رضي الله عنه : "أي عبادة لم يتعبدها الصحابة فلاتعبَّدوها فما لم يكن يومئذ ديناً فلا يمكن أن يكون اليوم دينا ".رواه الدارمي في سننه .
وقال عبدالله بن مسعود :" اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم". أخرجه الدارمي في سننه وقوله :" فقد كفيتم "كفينا المراد من الدليل، كفينا تفسير الوحي علما وعملاً وفهماً ، من الذي فناه؟ هم الصحابة رضوان الله عليهم والتابعون ، فإذا رجعناإلى فهمهم ومنهجهم رجعنا إلى عصر العصمة ، عصر الفهم الصحيح للدين إلى عصر القوة والنصرة ، عصر التمكين ، عصر العز والمجد ، وكلما ابتعدناعن ذلك كلما ضعف الدين ، وتوسعت هوّة الاختلاف والتفرق بيننا ، وتأخر النصر والتمكين ،قال تعالى : { وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ}(46) سورة الأنفال. وقال عز وجل : { وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ }(139) سورة آل عمران .
وقال عز وجل :{ الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ}(41) سورة الحـج .وغيرها من الآيات ..
إذاً فلا بد من الرجوع إلى عصر التمكين ،عصر العز والمجد في أعلى قمته وأبهى وأجمل وجوده ، عصر فهمالصحابة الكرام رضوان الله عليهم ، الذين نصروا هذا الدين ، وضحوا بالغالي والنفيس ..
كما قال الإمام أحمد رحمه الله : أصول السنة عندنا التمسك بما كان عليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ..ولعل لقائل أن يقول : لماذا الصحابة ؟ لماذا نقول الصحابة ؟ الصحابة ؟ السلف الصالح ؟..
والجواب أولاً : تعلمون أن الله سبحانه وتعالى اختار محمدا - صلى الله عليه وسلم- من بين البشر ؛ فهو سيد ولد آدم على الإطلاق ؛ فلا يليق أن يرسله في سفلة من الناس ، لايليق أن يرسله في سوقة من الناس وسفهاء من الناس ، فاختار له ما يناسب مقامه من
البشر، هو أفضل البشر فاختار له ما يناسب مقامه من البشر ، لذلكم البشر الذين كانوا فيعصره مؤمنهم وكافرهم هم أفضل البشر ، فمؤمنهم أفضل من مؤمني الأنبياء وكافرهم أفضلمن كافر الأنبياء . وهذا كلام لابن القيم رحمه الله . فأبو جهل أفضل من فرعون موسى وإنكانا هما في النار، إن الله اختار أبو جهل لعصر النبي - صلى الله عليه وسلم - لأن عصر النبي - صلى الله عليه وسلم - هو أفضل العصور البشرية ، لأن فيه أفضل البشر، وحتى يناسب ذلك مقامه ، إذاً ذلك الجيل كان أفضل البشر فكيف بمن استجابوا لله بالإيمان والتوحيد والمتابعة والانقياد ، ونصرة الدين ؟ والتضحية بكل غال ونفيس ، فلا شك أن أفضليتهم ازدادت وقدرهم علا وارتفع، جاء النص من الله تعالى: { كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍأُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ } هذا خطاب لمن ؟ للصحابة رضوان الله عليهم ، فمادام الخطاب موجه إليهم لأنهم هم الذين عايشوا التنزيل وشاهدوا الوحي ..
وقال تعالى : { وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} (104) سورة آل عمران . فكل مزية ومنقبة وفضيلة ثبتت لهذهالأمة فهي للصحابة من باب أولى ، فهم خير أمة أخرجت للناس ، وخير أمة تأمر بالمعروف وخير أمة تنهى عن المنكر ، وخير أمة في إتباع الوحي والاستجابة والانقياد له، وخير أمة فيفهمه ومعرفة المراد منه ، وخير أمة في تطبيقه والتضحية من أجله ، وخير أمة في العلم تعلما وتعليما، وخير أمة في الدعوة إلى الله والجهاد في سبيله ، وخير أمة في الإنصاف والعدل فهم الوسطية ، وخير أمة في التراحم والتوادد ، وخير أمة في الأخلاق
والآداب، فهم خيرأمة في كل منقبة ومزية جاء بها الإسلام ، وهم خير في خير ،فلم تعرف البشرية جيلا مثلهم في الخيرية، هؤلاء هم الجيل الأول ، هم الصحابة الذين رضي الله عنهم وزكاهم ، فلا يحتاجون تزكية بعد تزكيته تعالى لهم، ولا يحتاجون تعديلا بعد تعديله لهم ، لهذا ولغيره مما قصرنا عن ذكره .. وربما عن إدراكه ، فقد كانوا أفضلالبشر ترضى الله عنهم وأوصى النبي صلى الله عليه وسلم بهم ، فوجب علينا أن نترضى عليهم ، وأن لا نذكرهم إلا بخير ، فهم فوقنا بكل اعتبار ، وهم سادتنا وأسلاف مجدنا وديننا ، فينبغي أن نأخذ بفهمهم وأن نقيد دعوى الكتاب والسنة بفهمهم وتطبيقهم ،وأريد أن أذكر هنامثالاً حتى نفهم كيف أن الصحابة كانوا يفهمون القرآن الكريم والسنة النبوية ؟ .
ذكرالشاطبي ،وابن القيم ، وشيخنا الألباني رحمهم الله ، أن النص العام أو الدليلالعام من الكتاب والسنة إذا عمل السلف ببعض أفراده وتركوا بعض الأفراد الأخرى معطلة من كيفية أو وصف لم يعملوا بها فالعمل ببعض الأفراد المعطلة يعتبر بدعة ، لأنه غير مراد لله ، فلو كان مرادا لله ما تركوا العمل به وقد كلفوه ، وأضرب مثالا لهذا : نبينا -عليه الصلاة والسلام - فيما رواه أحمد ومسلم وغيرهما قال :<< ..ما اجتمع قوم في بيت من بيوتالله يتلون كتاب الله ويتدارسونه إلا حفتهم الملائكة وغشيتهم الرحمة ونزلت عليهمالسكينة >> فقوله : << ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله ..>> فيه " اجتماع فيبيت من بيوت الله " وفيه " يتلون كتاب الله " وفيه " ويتدارسونه " والنتيجة:"إلا حفتهم الملائكة وغشيتهم الرحمةونزلت عليهم السكينة" ، أنظروا هذه أفراد العام في هذا الحديث . نريد أن نعرف كيف فهم الصحابةلهذا الحديث " اجتمعوا في بيت من بيوت الله " يتلون كتاب الله " ويتدارسونه " نريد أننعرف كيف كان الصحابة يتلون كتاب الله ؟ وعلى أي صفة أو كيفية كانت تلاوتهم ؟ هل كانوا يتلونه بصوت واحد مجتمعين ؟ أم كان الواحد منهميقرأ والبقية تسمع ثم يقرأ الثاني ، والثالث وهكذا بالدور ؟ كل يقرأ نصيبا معلوما ، هذا هو الوارد عن الصحابة وهذا هو فهم الصحابة ، كما ذكره الطرطوشي من علماء المالكية كما في كتاب"البدع والحوادث "نبحث في السنة وفياجتماعاتهم في بيوت الله لم نجد شيئا ثابتا عنهم أنهم كانوا يقرؤونه بصوت واحد مجتمعين إذا اجتمعوا ، لم يفعلوه بهذه الطريقة المحدثة التي نراها اليوم : يجتمعون ويقرؤون بصوت واحد ، هذا
يمد وربما في غير موضع المد ،والآخر يقصر ما حقه المد ، وثان يرفع به صوته ، والآخر يخفض ، ويبلع بعض الحروف أو الكلمات ، وثالث ، يُعطي الحرف حقه والآخر ينقصه ، وهكذا يشوشون على من في المسجد ، فترْك الصحابة لهذا العمل ( القراءة بصوت واحد مجتمعين) مع تلاوتهم ومدارستهمله بالطريقة التي ذكرت يعتبر بدعة محدثة ، لأنه لو كان خيرا مرادا لما تركوه ، فهم أحرص الناس على الإتباع ، وأحرص الناس على الخير ،وهكذا أي دليل عام من السنة والكتاب لم نجد الصحابة عملوابجزئية من جزئياته فالعمل بهذه الجزئية من المحدثات.
نعم ؛العمل بهذهالجزئيات التي تركها الصحابة بدعة وضلالة ، وعليه فنصوص الوحي في كل باب على هذا ، وخاصة في باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والدعوة إلىالله ، إذا كانت عامة فلا بد من النظر إلى عمل السلف ، نصوص الأمر بالمعروف والنهي عنالمنكر والدعوة إلى الله ، هذه قضية مهمة ، نصوص الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والدعوة إلى الله ، أتدرون لمَِ خصصت هذا الأمر ؟ لأن غالب المشاكل التي حصلت ، إنما حصلت فيه أماالتوحيد ، أما مسائل الإيمان لا نجد الصحابة اختلفوا فيها، نعم ربما اختلفوا في بعض العبادات في فروعها وليس في أصولها ، لأنها وردت على وجوه، والاختلاف في العبادات إذا كان من اختلاف التنوع على الوجه الواردة لا يضر، ويسعنا ما وسعهم ، لكن المشكلة في اختلافالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والدعوة إلى الله ، فالدعوة إلى الله الاختلاف فيها في مسألةالوسائل
والمناهج ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الاختلاف فيه في مسألة الجهاد والخروج على الحاكم ،وهنا المشكلالكبير الخطير الذي كان قاصمة الظهر بين المسلمين والسبب في ذلك بُعدنا عن منهج الرعيل الأول ،وإذا أردنا أن تقوم لنا قائمة ، فلنرجع إلى فهم الصحابة في مسألة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حتى لا نخرج عن حدود الوحي؛ وإلى فهمهم في مسألة الدعوة إلى الله أيضاً لا بد أن نسلك سبيلهم لأن كثيرا من الناس اليوم يسألون هل هذه الوسائل التي نراها تستخدم في الدعوة إلى الله توقيفية أو لا ؟
والجواب عليه :يقال أن تلك الوسائل تعطى حكم المقاصد ، ومالا يتم الواجب إلا به فهو واجب ،ويمكن أن تكون غير توقيفية وإنما تكون من باب المصالح المرسلة ، أما المنهج فهو توقيفي ، منهج الدعوة إلى اللهتوقيفي عند أهل السنة والجماعة أتباع السلف فإنهم يقولون أن المنهج في الدعوة إلى الله توقيفي وليس لأحد أن يخترع منهجا في الدعوةإلى الله سبحانه وتعالى ، فعلينا أن نسلك سبيلهم، فهم على خلاف الفرق الأخرى والمناهج الأخرى الذين يقولون أن كل من الوسائل والمناهج ليست توقيفية ، لأن عندهم الغاية تبر الوسيلة ..
قال شيخ الإسلام الثاني ابن القيم الرباني ( هذا كلامللحافظ ابن القيم وهو قيِّم جدا نقوله لكم بحرفه لعلنا ننتفع به ) قال رحمه الله : وهذا موضع يغلط فيه كثير من قاصري العلم يحتجون بعموم نص على حكم، يحتجون بعموم نص ، المشكلة التي وقعت عند كثير من الناس الذين ابتدعوا مناهج وسبلوخالفوا الكتاب والسنة بفهم السلف هو في استدلالهم بعمومات
على أحكام ليست من الدين، اخترعوها ، الدليل بالعموم لا ينبغي أن يُلجأ إليه إلا أولوا العلم الذينيستنبطون منه الحكم، قال : ويغفلون عن عمل صاحب الشريعة وعمل أصحابه - إذا أردنا أننعرف هذا الدليل العام لا بد أن ننظر عمل النبي - صلى الله عليه وسلم - لهذا الدليلالعام وعمل أصحابه الذي يبين مراده ،ومن تدبر هذا علم به مراد النصوص ، وفهم معانيها - وكان يدور بيني وبين المكيين كلام في الإعتمار - يعني ابن القيم كان يدور بينه وبينالمكيين (أهل مكة ) كلام في الإعتمار من مكة في رمضان يعني ابن القيم يقول: أن كثرة الطوائف لأهل مكة أفضل من الاعتمار ، وهم يقولون عمرة في رمضان تعدل حجة مع النبي صلى الله عليه وسلم ، نرجع إلى عمل الصحابة فلا نجد عملهم عليه ولا عمل النبي - صلى الله عليه وسلم -قال حصلبيني وبينهم كلام كثير فأقول لهم كثرة الطواف أفضل من أنكم تعتمرون من بيوتكم ، وتكثرونطواف أفضل من أن تذهبوا إلى الحل خارج الحرم وتأتون بعمرة وهم يقولون لي : لا ؛ عمرة فيرمضان تعدل حجة ، انظروا كيف استدلوا عليه ، استدلوا عليه بحديث عام ، النبي - صلىالله عليه وسلم - قال : << عمرة في رمضان تعدل حجة معي>> رواه البخاري [1762-1863]ومسلم .
هو يقول لهم: لا ، أنتم ماعليكم هذه العمرة ، وكثرة الطواف عندكم أفضل من العمرة قالوا له: لا ، بل العمرة أفضل . قال لهم عمل النبي - صلىالله عليه وسلم - ليس على هذا لم يعتمر النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو في مكة،ولا خرج إلى التنعيم ولا لشيء من ذلك
فقالوا له : طيب عائشة لما رجعت من الحج قالتللنبي - صلى الله عليه وسلم - :" أيرجع الناس بحجة وعمرة وأرجع أنا بحجة واحدة ؟ " قاللهم: هذا خاص بعائشة لأنها عندها علة وهي أنها كانت حائض، ولذلك شيخنا الألباني فيكتابه السلسلة الصحيحة يسمي هذه العمرة عمرة الحائض ، قال : فمن كان من الرجال يحيضفليعتمر من التنعيم ، أما من لم يكن يحيض فلا عمرة عليه من التنعيم لأن عمل النبي - صلى الله عليه وسلم – والصحابة لم يكن كذلك ، هذا هو الفهم الصحيح لأنه لم يتكرر ذلك من الصحابة والتابعين وحتى عائشة لم يتكرر منها ذلك.
هكذا فهْم الأدلة التي ينبغيأن نعمل بها ، نرجع إلى فهم النبي - صلى الله عليه وسلم - وفهم الصحابة رضوان اللهعليهم لنعلم هل عملوا بذلك أو لم يعملوا به ؟ لماذا هذا ؟ لأننا إذا لم نرجعإلى فهم النبي - صلى الله عليه وسلم - والصحابة ستشكل علينا آيات كثيرة يا جماعة ،ستشكل علينا آيات كثيرة وأحاديث كثيرة لأن ألسنتنا دخلتها العجمة ، ولأن الصحابة هم الذين فهموا الآيات والأحاديث وعلموا المراد منها فهم أهل فصاحة وبيان والقرآن نزل بلغتهم ...والنبي بين أظهرهم ،وهم الذين رضي الله منهم وعنهم ..
ولأن القرآن الكريم يوصَف بأنه محكم ، ويوصف بأنه متشابه فالقرآن الكريمموصوف بأنه محكم كله : { كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْحَكِيمٍ خَبِيرٍ }1 : هود.
إذاً كتاب محكم كله ، متقن ، واضح، بيِّن ، ووُصِف بأنه متشابهقال تعالى: {اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ .. }(23) سورة الزمر.
وقال سبحانه أيضا: {..وَأُتُواْ بِهِ مُتَشَابِهاً }(25) سورة البقرة فالقرآن يوصف بأنه متشابه كله؛ ومحكم كله ، وهذا الإحكام العام والتشابه العام بمعنى أنه ما أبهم في مكان فُسِّر في مكان ،وهذا لا إشكالفيه فالمحكم والمتشابه العام لا إشكال فيه .
وأيضاً أن القرآن منه محكم ومنهمتشابه؛ وهذا الإحكام الثاني هو الأحكام الخاص والتشابه هو التشابه الخاص ، وهذا وهو الذي فيه الإشكال، هذا الذي وقع فيه كثير من الناسمع أن الصحابة بينوا لنا ذلك الإشكال كما بينه لهم رسول الله قال الله تعالى: {هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الألْبَابِ}(7) سورة آل عمران .
هنا المحكم والمتشابه ، المحكم هو الواضح البيِّن الذي لا إشكال فيه ، والمتشابه هوالذي لا يظهر المعنى منه ، أو لا يظهر حقيقة المعنى منه،وهذا إلى الله تعالى ؛ هذا إذا قصدنا بالمتشابه أنه الحقيقة والكُنْه ،وهذا المراد من قول ابن عباس رضي الله عنهما :" أنا بعض القرآنالكريم مما استأثر الله تعالى بعلمه" .
فهذا خاص بالله سبحانه وتعالى ويكون الوقف حينئذ على قولهتعالى: { وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ} وإذا قصدنا بأن المعنى هو المبهم الغامض الذي يحتاج إلى بيان وتوضيح فيكون ولا يعلم المراد منه إلا الله والراسخون في العلم كابن عباس، وفي هذه الحالة لا يوجد وقف إنما هنا عطف بمعنى أن الراسخين يعلمونه ( يعلمون المعنى المراد ) أماالكيفية والكنه فلا يعلمه إلا الله، على القولين جميعا ، والقرآن الذي استأثر الله بعلمه هوفي الغيبيات (الأسماء والصفات ) والغيبيات مما في اليوم الآخر ، حقيقة ذلك وكنهه لا يعلمه إلا الله؛ والحروف المقطعة في أوائل السور ، هذا أيضا من المتشابه الذي لا يعلمه إلا الله ؛وعليه جماعة من الصحابة أما غيره ، فليس بمتشابه مع أنه يقال أن الأسماء والصفات وما في الغيبيات وما فيالحروف المقطعات من المعاني فهو معلوم ، فمعانيها معلومة ، فما هو المتشابه فيها إذا ؟ المتشابه فيها الحقيقةوالكُنه والكيفية – افهموا هذا جيدا بارك الله فيكم - المتشابه فيها حقيقة الكفيفة والكنه ؛كنهها وكيفيتها لا يعلمه إلاالله ، أما المعنى الظاهر فهو معلوم كما قال الإمام مالك رحمه الله :" الاستواء معلوم ( الاستواء معناه معلوم)والكيف مجهول والسؤال عنه بدعة " فالصفات معناها معلوم كلها والكلام في الصفات فرع عنالكلام في الذات وما نقوله في بعض الصفات؛ نقوله في جميع الصفات على غرار قوله تعالى: { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ}(11) سورة الشورى.
فكنه الصفات وكيفيتها لا يعلمهإلا الله ، أما معناها فمعلوم عند السلف في منهج السلف معلوم ، وكذلكم ما في الجنةوالنار ؛ وما في اليوم الآخر ؛ وما في الحروف المقطعة معناها معلوم لكن كنهها وكيفيتها لا يعلمه إلا الله ، هذا هو المتشابه لكن من يعطينا المعنى المعلوم الذي نقوله ، معنىالصفات ، ومعنى ما في الآخرة مما في الجنة والنار، ومعنى ما في الحروف المقطعة ،هذا المعنى من الذي بيّنه لنا ؟ هم الذين نزل القرآن بلغتهم ، القرآن نزل بلغة مَن؟ بلغة الصحابة رضوان الله عليهم ، الصحابة فهموا المعاني أم لم يفهموها ؟ فهموامعاني القرآن الكريم لأن الله ما خاطبهم بالألغاز ، بل خاطبهم بكلام عربي واضح فصيحيفهمونه ويفهمون
المعنى منه ،ولذلك لم يكن الصحابة يسألون عن كيفية الصفات وكنهها ولايسألون عن كيفية ما في الآخرة إنما كانوا يؤمنون بها ويعلمون معناها على ما نزل في خطابهمولغتهم فيؤمنون بذلك ولا يبحثون عما وراء ذلك ، وقد بينوا لنا المعنى الذي فهموه وإذا أُشكلعليهم شيء راجعوا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فبينه لهم ، وهم بينوه لغيرهم كما تحملوه.
الأصلالرابع:عدم التفريق بين الكتاب والسنة وفهم السلف الصالح.
لا نفرق بين الكتابوالسنة في حجية التشريع، بل نؤمن أن السنة تشريع كالقرآن يجب الأخذ به، فقد ظهرت طائفة يأخذون بالقرآن فقط ، يزعمون أنه لا حاجة لهم في السنة؛ وأن السنة قد حرفت وأدخل فيها ما ليس منها، وفيها كثير من الضعيف ، والموضوع ، والصحيح منها أغلبه ظني الثبوت لذلك هم استغنوا بالقرآن عن السنة وتسموا بالقرآنيين،ولا شك أنهم ضالون مخالفون للقرآن ،لم يأخذوا بالقرآن ؛ لأن القرآن يأمر بإتباع السنة ،قال تعالى : { وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} (7) سورة الحشر .
فهم لم يأخذوا بالقرآن فالله-عز وجل- يقول عن نبيه صلى الله عليه وسلم : {.. وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ} (2) سورة الجمعة .
وقد جاء مثل هذه الآية في سورة البقرة [129] وسورة آل عمران [164]. فالكتاب هو : هو القرآن ، والحكمة هي: السنة ، وكذلك جاء في سورة الأحزاب {..وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا} (34) سورة الأحزاب.
وقال تعالى : {مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللّهَ وَمَن تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا} (80) سورة النساء.والآيات في هذا كثيرة .
ومن السنة قوله صلى الله عليه وسلم :<< ومن رغب عن سنتي فليس مني >> أخرجه الشيخان .
ومنها قوله:<< ..وجعل الذلة والصغار على من خالف أمري.. >> علقه البخاري في كتاب الجهاد والسير باب [87] ما قيل في الرماح ،عن ابن عمر ، وأخرجه احمد موصولا بطوله ، كما أوصله الحافظ بن حجر في تغليق التعليق ..
وقوله صلى الله عليه وسلم :<< ..فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة >>أخرجه أحمد [4/126-127] وأبو داود[4607]والترمذي [2678]وهو في الصحيحة لشيخنا الألباني [937].
وفي صحيح البخاري رحمه الله عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال[6853]: << يا معشر القراء استقيموا فقد سبقتم سبقا بعيدا ، فإن أخذتم يمينا وشمالا لقد ضللتم ضلالا بعيدا >>.
هذا من جهة ، ومن جهة أخرى لا نفرق بين الكتاب والسنة في الحجية والاستدلال خلافا لمن يجعلون القرآن في مرتبة،والسنة في مرتبة أخرى دونه ، وهذا خطأ ، السنة والقرآن في مرتبة واحدة فلا نفرق بينهما لأنالسنة وحي {وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى} (4) سورة النجم .فالسنةوحي كالقرآن الكريم تماماً ، فلا فرق بينهما في الحجية قل كل من عند الله فما لهؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا .
قال: - صلى الله عليه وسلم -:<< لا ألفين أحدا منكم متكئا على أريكتهيأتيه الأمر من أمري يقول : لا ندري ما هذا ، بيننا وبينكم القرآن ، ألا وإني أوتيتالكتاب ومثله معه >> <<ألا وإنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض>> وفي رواية :<< ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه ألا يوشك رجل شبعان على أريكته يقول :عليكم بهذا القرآن فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه ، وما وجدتم فيه من حرام فحرموه ، وإن ما حرم رسول الله مثل ما حرم الله .. أخرجه أحمد [4/139] وأبو داود والترمذي وهو في صحيح أبي داود برقم [1294].إذاً فالسنة مثل القرآن : وقال حسان ابن عطية :" السنة وحي يوحى إلى النبي - صلى اللهعليه وسلم - كما يوحى إليه القرآن ".
وقال الله تعالى لزوجات النبي - صلى الله عليهوسلم - :{..وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا}فالآيات هي القرآن، والحكمة هي السنة ،والعطف هنا يقتضي المغايرة ضرورة .
وأمر الله تعالى بطاعته والأخذ عنه وحذر من مخالفته قال تعالى : {وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَاحْذَرُواْ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُواْ أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلاَغُ الْمُبِينُ} (92) سورة المائدة .
وقال سبحانه وتعالى {.. فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} (63) سورة النــور .
فالسنة من الوحي الذي أوحاهالله سبحانه وتعالى فلا نفرق بين الكتاب والسنة كما لا نفرق بين السنة ، وفهم السلفالصالح لأن الكتاب والسنة هما في مرتبة واحدة وفهم السلف الصالح هو الضابط والمنهج العملي للكتابوالسنة وبيان المراد منهما، فلذلكم علينا أن لا نفرق بينهما فنقول : الكتاب في المرتبة الأولى ، والسنة في المرتبة الثانية ، فهذا لا يصلح إلا من حيث الاصطلاح ، أما الحجية والاستدلال فلا يصلح .
أما حديثمعاذ الذي يستدل به مَن يفرق بين الكتاب والسنة في الحجية لما أرسله النبي - صلى الله عليهوسلم - إلى اليمن قال فقال:<< بما تحكم ؟>> قال بكتاب الله قال :<< فإن لم تجد ؟>> قال : فبسنةالنبي - صلى الله عليه وسلم - .
قال :<< فإن لم تجد ؟>> قال : أجتهد رأيي ولا آلو>> أي لاأقصِّر .
هذا الحديث من حيث الإسناد لا يصح ، فيه ثلاث علل في سنده ، والعلةالرابعة في متنه ذكر هذا شيخنا الألباني رحمه الله في إرواء الغليل وأفرد له بحثاًماتعاً فارجعوا إليه ، فهذا الحديث ضعيف فيه أربعة علل ذكر ابن حزم- رحمه الله - ثلاث منها ، وذكر شيخنا الألباني علة أخرى وهي النكارة التي في متنه من حيث التفريق بين الكتاب والسنة ، وفيه قال له صلى الله عليه وسلم :<< بماتحكم ؟ قال : بكتاب الله . قال : فإن لم تجد فقال : فبسنة النبي - صلى الله عليهوسلم - >> إذا جاء واحد يسأل عالما من العلماء عنده حديثا حجة في المسألة لا يحكم بهذا الحديثحتى يبحث في القرآن كله ثم بعد ذلك إن لم يجد ينتقل إلى السنة فإن لم يجد ينتقل إلى الإجماع ، ثم القياس ، هذا لا يقوله عاقل لأنالسنة وحي مثل القرآن ، فإذا جاءك آخر يستفتي وعند المفتي سنة ثابتة صحيحة، عليه أن يحتج بها على المسألة المسئول عنها، يقول له السنة في المسألة كذا.. لأن الله سبحانه وتعالى يقول وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} (7) سورة الحشر.
والنبي - صلى الله عليه وسلم - قال :<< إذا أمرتكم بأمر فاتوا منه ما استطعتم >>رواه البخاري .
وقوله :<< ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه ..>> وقال << إنّ ما حرَّم رسول الله مثل ما حرّم الله>>فتحريم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأمر أو حِلُّه له هو مثل
حريم الله أو حِله تماماً فلا فرق بينهما لأنه كله من عند الله سبحانه وتعالى ، نعم كله من عندالله ، والله سبحانه قال: { إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} (9) سورة الحجر.
فالله سبحانه وتعالى تولى حفظ هذا الدين بحفظ هذا الذكر، والسنة منالذكر الذي أنزله الله له ليبين للناس ما نزل إليهم من ربهم ، نعم تولى الله سبحانه حفظه ولذلكم لما وضع نوح ابن أبي مريم أو غيره -الشك مني - على النبي - صلىالله عليه وسلم - نحو أربعة آلاف حديث ثم أُخِذ (أخذوه للقتل ) ذهبوهو يضحك، فلما قيل له: إن لها ابن المبارك يُصَفِّيها ولا يترك منها حديثا ، بكى ،قيل له : لما تبكي ؟ فقد قلتَ قبل قليل أنك قد أديت مهمتك ؛وذهبت إلى القتل وأنت تضحك ، والآن لمّا قيللك لها ابن المبارك بكيت ،فلماذا بكيت ؟ قال : لأني أعلم أنه لا يترك حديثاً واحداً إلا بيّنهوطرحه ، فالله سبحانه وتعالى سخّر رجالا لهذا الدين حفظوا لنا هذا الدين ، حفظوا لنا السنة التي هي من الذكر ، الذي تولى الله حفظه ، ولذلكميقولون أن الإسناد من الدين ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء في الدين ؛ فديننايقوم على الإسناد وهو مما اختصت به هذه الأمة خلافاً لليهود والنصارى وخلافاً للشيعة الروافض في هذه الأمة إنهملا إسناد لهم ؛ ودينهم يقوم على الكذب والتقية ، أما أهل السنة والجماعة فدينهم يقومعلى الإسناد ، سموا لنا رجالكم ، لولا الإسناد لقال من شاء ما شاء في الدين .فنحن لانفرق بين الكتاب والسنة ؛ وعلينا أن نعتصم بالكتاب والسنة بفهم السلف الصالح فأهلالسنة
والجماعة يتمسكون بالكتاب والسنة ولا يفرقون بينهما لا بعقل ولا بذوق ولابعاطفة ولا بطريقة ولا بحزبية ولا بتشريعات باطلة ، ولا بشيء من ذلك إنما يسلمون ويتبعون .
الأصل الخامس : عدم الاستقلال في فهم القرآن بالقرآن عن السنة وعدمالاستقلال في فهم القرآن والسنة عن فهم السلف وهذه مهمة أيضاً.
عدمالاستقلال في فهم القرآن بالقرآن عن السنة يعني ذلك أن يأتي أحد من الناس يقول أنا أفهم القرآنبالقرآن ، ولا آخذ بالسنة كما هو واقع ، نعم فخير ما فُسِّر القرآن بالقرآن لكن لا يمكن أن نستقل في فهم القرآنبالقرآن عن السنة جملة وتفصيلا ، لا يمكن أن نستغني عن السنة في فهم القرآن ، ولا يمكن أن نستغني فيفهم القرآن والسنة عن فهم السلف .
أولاً : النبي - صلى الله عليه وسلم - هو الذي فهّمنا القرآن وبيّنه بقوله وعمله قال الله له :{.. وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ } (44) سورة النحل. فقد بين وبلغ ، ولم يترك شيئا تعبدنا الله به .
قال تعالى : {وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ وَارْكَعُواْ مَعَ الرَّاكِعِينَ} (43) سورة البقرة . فهو الذي أقام الصلاة وبينها ،وقال صلى الله عليه وسلم : << صلوا كما رأيتموني أصلي >> أخرجه البخاري [605] ، وقال تعالى : {وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً } (97) سورة آل عمران . فقد حج وقال : << خذوا عني مناسككم>> ، وقال : << من رغب عن سنتي فليس مني >> .
فمَن بيّن لنا الصلاة وعدد ركعاتها والزكاة وأنصبتها، والصيام وضوابطه، والحج ومواقته ، مَنْ بيّنها ؟ من بين العقود في المعاملات والأنكحة مَن بينها ؟طبعا السنّة هي التي بينت ذلك كله هل تجدون الظهر في القرآن أربع ركعات؟هل تجدون أن المغرب ثلاث ركعات في القرآنالكريم ؟ هاتوا ذلك ؛ وأين ذلك من آيات الذكر الحكيم ، لا يوجد .
هل تجدون أنصبة الزكاة في القرآن الكريم ؟ لا توجد .. إذاًالسنة بيّنت القرآن لأن السنة شارحة للقرآن الكريم ،مبينة له تدل عليه ؛وتوضح وتفسر مجملهومبهمه ، ومقاصده ، فلا يمكن أن نستغني في فهمنا للقرآن عن السنة ؛ ولا يمكن أن نستغني فيفهمنا للقرآن والسنة عن فهم الصحابة ، فهم الذين فهموا القرآن وإذا أشكِل عليهم شيءرجعوا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فبيّن لهم ،وقد حدث ذلك فقد أُشكل عليهم قول الله سبحانهوتعالى: { الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ} (82) سورة الأنعام .
جاؤوا للنبي - صلى الله عليه وسلم - وقالوا : لقد شقّ علينا آية نزلتعليك .قال : وما ذاك ؟ قالوا : قول الله تعالى : { الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ } قالوا : وأينا لم يظلم نفسه ؟قال : ليس ذاك الذي تذهبون إليه ألم تقرؤوا قول العبد الصالح: {وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} (13) سورة لقمان . فبيّن لهم أن المقصودبالشرك في قول الله تعالى: { الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ } أن الظلمهو الشرك وليس المقصود به أي ظلم..والحديث في الصحيحين .
وكذلكم أشكل عليهم قوله تعالى : { لِّلَّهِ ما فِي السَّمَاواتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَإِن تُبْدُواْ مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللّهُ فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَاء وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاء وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} (284) سورة البقرة .
فقد شقّت عليهم هذه الآية فجاءوه يستفسرون عن ذلك ، فقال لهم :<< أتريدون أن تقولوا كما قالت يهود سمعنا وعصينا ، ولكن قولوا سمعنا وأطعنا .. >> فلما قالوها وأذعنت بها قلوبهم، نسخها الله بما بعدها من الآيات..>>رواه مسلم في الصحيح.
وهكذا كلما أشكل عليهم شيء من القرآن أو السنة رجعوا إليه فبين لهم غاية البيان وهم بينوه لمن بعدهم ؛ وهكذا حتى وصل إلينا وكأنه الآن نزل غضا طريا ..
يتبع إن شاء الله ...




رد مع اقتباس
