رساله خاصة للادارةأهمِّيةُ الرَّدِّ علَى المخالفِ، وبيانُ جُمْلَةٍ مِنْ ثَمَارهِ/ الحلقة الرَّابعة بسم الله الرَّحمن الرَّحيمأهمِّيةُ الرَّدِّ علَى المخالفِ، وبيانُ جُمْلَةٍ مِنْ ثَمَارهِ/ الحلقة الرَّابعة
الشيخ عبدالله بن عبدالرحيم البخاري-
الحمدُ لله ربِّ العالمين والصَّلاة والسَّلام على نبيِّنا محمَّدٍ وآله وصحبه أجمعين، وبعدُ:
فهذه هي النُّقطةُ:
الرَّابعة: ذكرُ بَعض الأُمُورِ الَّتي يَنْبِغي تَوفّرهَا فِيْمنْ يَتَولَّى الرَّدَّ عَلَى الْمُخَالِفِ؟
إنَّ بيانَ الْحَقِّ لِلْخَلْقِ وَالرَّدَّ عَلَى البَاطِلِ وَأهلهِمُهمَّةٌ عَظيمةٌ، قَامَ بها أنْبياءُ الله وَ رسُله، ومنْهُمْ خَاتِمُهُمْعَليهم الصَّلاةُ والسَّلام، وَ وَجَبَ على أهْلِ العِلْمِ بَعْدَهُمِمَّن وَرثوا عِلْمَ النُّبوة أنْ يَقُوموا بِهَذَا الوَاجبِ، وَ مَنْتَمَكَّن مِنْ طُلاَّبِ العِلْمِ الْمُؤَهَّلين مِمّن اسْتَجمعَ الآليةوالأهليَّة، وَ أقلُّ الأحْوَال أنْ يكونَ كذلكَ: فِي الْمَسْألةِ الَّتييَتكلَّم فيهَا لأنَّه؛ قَدْ يُجَادِلُ العَاميُّ وَ المبتدئُالْمُخَالِفَ، فَيْعَجَزُ عَنْ إقَامَةِ البُرْهَان عَلى صِحَّة قَولهِ وَبُطْلان قَولِ الْمُخَالِف، فَيَضُرُّ وَ لاَ يَنْفَعُ، وَلاَ يَخْفَى مَالِهَذا الأَمْرِ مِنْ أَثرٍ عَكسيّ علَى العَامَّة؛ لِظنِّهم بُطْلانمَقالتهِ بِسَببِ عَدَمِ قيَام الدَّليلِ عَلَى بُطْلاَن قَولِالْمُخَالِفِ، وَ مِنْ ثَمَّ تَظْهَر مَقُولَة الْمُخَالِفِ أنَّها حقٌّ وَصَوابٌ، وَلاَ حَولَ ولا قُوَّةَ إلاَّ بِالله.
لذا عَدَّدَ الإمامُ السِّجزيُّ في (الرَّدِّ عَلَى مَنْ أنكر الحرفوالصَّوت)(ص 85-87)أَحَدَ عَشَر فَصْلاً ثُمَّ قَالَ :" فَجَمِيْعُ مَاذَكْرتُ أنَّ بِكَ حَاجة إليهِ عنْد الرَّد عَليهم، أَحَد عَشرَ فَصْلاًمَنْ أَحْكَمَهَا تَمَكَّنَ مِنَ الرَّدِّ عَليهم، إذَا سَبَقَ لَهُالعِلْم بِمَذْهَبهِ وَمَذْهَبهمْ.
وَأمَّا العاميُّ وَالمبتدئُ سَبِيلهمَا أنْ لاَ يُصْغِيَا إلَىالْمُخَالِفِ، ولا يَحْتَجَّا عَليهِ؛ لأنَّهمَا إنْ فَعَلاَ خِيْفَعَليهمَا الزَّلل عَاجِلاً وَ الانْفِتَال آجلاً".
لذَا فإنِّي أُذَكِّرُ هُنا ببعضِ الأُمُورِ الَّتي لابُدَّ مِنْ تَوفُّرها في الرَّادِّ، وهي:
1/ العِلْمُ الصَّحِيْحُ الْمَبْنِي عَلَى الوَحْيَين بِفَهْم السَّلفِ رَضي الله عنهم.
وهذا مطلبٌ أساس، لا مَعدلَ عنْه لِمَنْ رَامَ بَيَانَ الْحَقّ لِلْخَلقِ،وَرَدّ البَاطلِ وَدَحْض شُبه أَهْلهِ، وَفُقْدَانُهُ فُقْدانٌ للسِّلاَحِالَّذي به يُدَافِعُ وَيُنَاضِلُ، قَال الحافظ صالح بن مهران الشيباني:" كُلُّ صاحب صناعةٍ لا يقدر أن يعمل في صناعته إلاَّ بآلةٍ، وآلةُ الإسلامالعلم" (طبقات المحدثين بأصبهان)(2/216).
وقَدْ ذمَّ الله - وحذَّر- القَولَ بِغَيْر عِلْمٍ وَلاَ هُدَىً ولا كتَابٍمنير، فقال َالله تعالى (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِبِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ) (الحج:3).
قال العلاَّمة السَّعديُّ في (التفسير)(ص 573):" ومنَ النَّاسِ طَائفةٌ وَفِرْقَةٌ، سَلَكُوا طَريقَ الضَّلالِ، وَ جَعلُوا يُجَادِلُون بِالبَاطِلالْحقَّ، يُريدونَ إِحْقَاقَ البَاطلِ، وَإبْطَالَ الْحقِّ، وَالْحَالُأنَّهُم: فِي غَايَةِ الْجَهْلِ، مَا عنْدَهُم مِنَ العِلْمِ شَيءٌ،وَغَايةُ مَا عنْدَهُم تَقليد أئمَّة الضَّلال، مِنْ كُلِّ شَيطانٍ مَريدٍ،مُتَمَرِّدٍ عَلَى الله وَ عَلَى رُسُلهِ، مُعَانِدٍ لَهُم، قَد شَاقاللهَ وَ رَسُولَهُ، وَصَار مِنَ الأئمَّة الَّذين يَدْعُونَ إلَىالنَّار".
وقال: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدىً وَلا كِتَابٍ مُنِيرٍ) (الحج:8)
قَال الحافظُ ابنُ كثير في (التفسير)(3/218):" أي بِلاَ عَقْلٍ صحيحٍ، ولا نَقْلٍ صَريحٍ، بَلْ بِمُجَرَّدِ الرَّأي والْهَوى".
وقال العلاَّمة السعدي في (التَّفسير)(ص 574):" أيْ يُجادِلُ رُسُلَ اللهِوَأَتْباعَهُمْ بِالبَاطلِ؛ لِيُدْحِضَ بِه الْحقَّ. (بِغَيْرِ عِلْمٍ) صَحيحٍ، (وَلاَ هُدىً) أي: غَير مُتَّبعٍ فِي جِدَالهِ هَذا مَنْ يَهديهِ،لاَ عَقْلٍ مُرْشِد، وَلاَ مَتْبوع مُهْتدٍ. (وَلاَ كِتَابٍ مُنِير) أي: واضحٍ بَيِّن، فَلاَ حُجَّة عَقليَّة وَلاَ نَقْلِيَّة، إنْ هِي إلاَّشُبُهات يُوحيهَا إليه الشَّيطان".
قال الإمامُ شيخ الإسلام ابن تيميَّة:" كُلُّ مَنْ جَادلَ فِي اللهِبِغَيرِ هُدىً وَلاَ كِتَابٍ مُنيرٍ؛ فَقَدْ جَادَلِ بِغَيرِ عِلْمٍ" (درءتعارض العقل والنقل)(5/265).
ومِنْ مَقَالاتِ الأئمَّة فِي هَذهِ النقطة، ما يلي:
أ/ قال الإمامُ الآجريُّ في (أَخْلاَق العُلماء)(ص 62-63) تَحتَ فَصلٍعَقدهُ بعُنوان (صِفَةُ مُنَاظَرَةِ هَذا العَالِمِ إذَا احْتَاجَ إلَىالْمُنَاظَرةِ):" وَ أَعْظَمُ مِنْ هَذَا كُلِّهِ أنَّه رُبَّما احْتَجَّأَحَدُهما بِسُنَّةٍ عَنْ رَسُولِ الله صلَّى الله عليه وسلَّم عَلَىخَصْمهِ؛ فَيَرُدّها عليهِ بِغَيْرِ تَمَيْيزٍ، كُلُّ ذَلكَ يَخْشَى أنْتَنْكَسِرَ حُجَّتهُ، حَتَّى إنَّه لعلَّه أنْ يَقُولَ بِسُنَّةٍ عَنرَسُولِ الله صلَّى الله عليه وسلَّم ثَابِتَةٍ فَيَقُولُ: هَذَا بَاطِلٌ،وهَذَا لاَ أَقُولُ بِهِ، فَيَرُدَّ سُنَّةَ رَسُولِ الله صلَّى الله عليهوسلَّم بِرَأْيهِ بَغْيرِ تَمْييزٍ.
وَمِنْهم مَنْ يَحْتَجُّ فِي مَسألةٍ بِقَولِ صَحابِيٍّ؛ فَيَرُد عليهِخَصمهُ ذَلكَ وَلاَ يَلْتَفت إلَى مَا يُحْتَجُّ عَليهِ، كُلُّ ذَلكَنُصْرَة منْه لقولهِ، لاَ يُبَالِي أنْ يَردَّ السُّنَنَ وَالآثَار".
ب/ قال الإمامُ ابنُ بطة العُكبري في (الإبانة الكبرى)(2/540-541):"... اعْلَم يَا أخِي- رحَمك الله- أنَّ الَّذي تُبْلَى بهِ مِنْ أهْلِ هَذاالشَّأن لَنْ يَخْلُو أنْ يكُونَ واحِدَاً مِنْ ثَلاثة:
إمَّا رجُلاً قَدْ عَرَفْتَ حُسْنَ طَريقتهِ وَجَميلَ مَذْهبهِ وَمَحبَّتهِللسَّلاَمَةِ وَقَصده طَريق الاسْتِقَامة، وَإنَّما قَدْ طَرَقَ سَمْعَهمِنْ كَلام هَؤلاء الَّذين قَدْ سَكَنَت الشَّياطِينُ قُلُوبَهُم، فهَيتَنْطِقُ بِأَنْواعِ الكُفْر عَلى ألسِنَتِهمْ، وَليس يَعْرِفُ وجْهَالْمَخْرَجِ مِمَّا قَدْ بُليَ بِهِ، فَسُؤُالُهُ سُؤَال مُسْتَرشِدٍيَلْتَمِسُ الْمَخْرَجَ مِمَّا بُلِيَ بهِ، وَالشِّفَا مِمَّا أُوذِيَ ... (بياضٌ في الأصل). . . إلَى عِلْمِكَ حَاجته إليْكَ حَاجَةَ الصَّادي إلىالْمَاءِ الزلاَل، وَ أنتَ قَد اسْتَشعرتَ طَاعتَهُ وَ أَمِنْتَمُخَالفتهُ؛ فَهَذا الَّذي قَد افْتُرِضَ عَليكَ تَوفيقهُ وَ إرْشَادهُمِنْ حَبَائِلِ كيْدِ الشَّياطين، وليَكُن مَا تُرْشِدُه بِه، و تُوقفهُعَليهِ مِنَ الكتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالآثَار الصَّحيحةِ مِنْ عُلمَاءالأُمَّة منَ الصَّحَابة والتَّابعين، وَكُلّ ذَلك بالْحِكْمَةوَالْمَوْعِظَةِ الْحَسنَةِ.
وَ إيَّاكَ وَالتَّكَلُّف لِمَا لاَ تَعْرفهُ، وَتَمَحُّل الرَّأي،والغَوصَ عَلى دَقِيقِ الكَلامِ؛ فَإنَّ ذَلكَ مِنْ فِعْلكَ بِدْعة، وَإنْكُنتَ تُريدُ به السُّنَّة، فَإنَّ إِرَادَتَكَ لِلْحَقِّ مِنْ غَيْرِطَريقِ الْحَقِّ بَاطِل، وَكَلامَكَ عَلَى السُّنَّةِ مِنْ غَيْرِالسُّنَّةِ بِدْعَة. وَلا تَلتَمس لصَاحبك الشِّفَاء بِسُقْمِ نَفْسكَ،وَلا تَطْلب صَلاحَهُ بِفَسَادِكَ؛ فإنَّه لاَ يَنْصَحُ النَّاسَ مَنْغَشَّ نَفْسَهُ، وَمَنْ لاَ خَيْر فيهِ لِنَفسهِ لاَ خَيْرَ فِيهِلِغَيرهِ، فَمَن أَرَادَ اللهُ وفَّقَهُ وَسَدَّدهُ ، وَمَن اتَّقَى اللهأَعَانَهُ وَنَصَرَهُ ".
ج/ قَالَ شيخُ الإسلام ابن تَيميَّة في (درء تَعارض العَقلوالنَّقل)(6/210-21) :" الرَّدُّ علَى أهلِ البَاطلِ لا يكونُ مُستوعباًإلاَّ إذا اتُّبعت السُّنَّة منْ كُلِّ الوجُوه، وإلاَّ فمَنْ وَافقالسنَّة مِنْ وَجهٍ وَخَالَفَهَا مِنْ وَجْهٍ، طَمع فيهِ خُصومه مِنَالوَجْهِ الَّذي خَالفَ فيه السُّنَّة، واحْتجوا عليه مَا وافقهم عليه منْتِلك المقدِّمات المخالفةِ للسُّنَّةِ.
وقَد تَدبَّرتُ عامَّة ما يَحْتجُّ به أهْل البَاطِل عَلَى مَنْ هو أَقْربإلى الْحَقِّ منْهم، فَوجدتُّه إنَّما تَكُونُ حُجَّة البَاطل قويَّةلِمَاتَركوه مِنَ الْحَقِّ الَّذي أَرْسَلَ الله به رَسُوله وأَنْزَل بهكتَابه، فَيَكُون مَا تَركُوهُ مِنْ ذَلك الْحَقّ مِنْ أَعْظم حُجَّةِالْمُبْطِل عَليهم..".
وقال أيضاً كما في (المجموع)(3/245):" ومما يجبُ أن يعلم أنَّ الذي يريد أنينكر على النَّاس ليس له أنْ ينكر إلاَّ بِحُجَّةٍ وَبَيَانٍ..".
وقالَ أيضاً في (الرَّدِّ على المنطقيين)(ص 273):" فليسَ لأحدٍ أنْيتَكلَّم بِلاَ عِلْمٍ، بَلْ يُحْذَرُ مِمَّنْ يَتَكَلَّمُ فِيالشَّرْعِيَّات بِلاَ عِلْمٍ، وفي العَقليَّات بِلاَ عِلْمٍ؛ فَإنَّ قوماًأرَادُوا بِزَعْمِهم نَصر الشَّرعِ بِعُقُولِهم النَّاقِصة وَأَقْيِسَتِهِمُ الفَاسِدة، فَكان مَا فَعلوه مِمَّا جَرَأَ الْمُلْحِدينَأَعْدَاء الدِّين عليهِ، فَلاَ لِلإسْلاَمِ نَصَرُوا، ولاَ لأَعْدَائهِكَسَرُوا ".
وقال فيه أيضاً (ص 536-537):" ولَهذا كَانت مُنَاظرة كَثيرٍ مِنْ أهْلالكَلاَمِ لَهُمْ مُنَاظرة قَاصرة، حيثُ لَم يَعرف أولئك حَقيقةَ مَا بَعثَالله به رُسُلَه، وَ أَنْزلَ بِه كُتُبه، وَمَا ذمَّهُ مِنَ الشِّركِ،ثُمَّ يَكْشِفُون بِنُور النُّبوَّةِ مَا عنْدَ هَؤلاء مِنَ الضَّلاَلِ،كمَا نَاظَرهم الشَّهْرستاني في كتاب (الملل والنحل) لِمَّا ذَكر فَصْلاًفِي الْمُنَاظَرةِ بَيْن الْحُنَفَاءِ وَبَيْنَ الصَّابِئَةِ الْمُشْركين؛فَإنَّ الْحُنَفَاءَ يَقولون: بِتَوسُّط البَشَرِ، وَ أولئكَ يَقُولونُبِتَوسُّط العُلْويَّات، فأخذَ يُبَيِّنُ أنَّ القَولَ بِتَوسُّط البَشَرِأَوْلَى مِنَ القَولِ بِتَوسُّطِ العُلُويَّات.
ومعْلُومٌ أنَّه إذَا أخذَ التَّوسُّط عَلى مَا يَعْتَقِدُونَهُ فِيالعُلويَّات كَانَ قَولهم أَظْهر، فَكَانَ رَدُّه عَليْهم ضَعيفاً؛لِضَعْفِ العِلْمِ بِحَقيْقَةِ دِيْنِ الإسْلاَمِ...".
وقال أيضاً في (درء تعارض العقل والنقل)(1/357):" كُلُّ مَنْ لَمْ يُنَاظِرأَهْلَ الإلْحَادِ وَالبِدَعِ مُنَاظَرةً تَقْطَعُ دَابِرَهُم، لَمْيَكُنْ أَعْطَى الإسْلاَمَ حَقَّه، وَ لاَ وفَّى بِمُوجِبِ العِلْمِوَالإيْمَانِ، وَلاَ حَصَلَ بِكَلاَمهِ شِفَاءُ الصُّدُورِ وَطُمَأنِيْنَةالنُّفُوس، ولاَ أَفَادَ كَلامهُ اليَقِيْن".
وَقَدْ عِيْبَ عَلَى بَعْضِهم أنَّه:" كَانَ يُقَرِّرُ فِي مَسَائل كَثِيرةمَذاهبَ الْخُصُومِ وَشُبَهَهم بِأَتَمِّ عِبَارَةٍ، فَإذَا جَاء إلَىالأَجْوبَةِ اقْتَنَعَ بِالإِشَارَةِ " قالَه العَلاَّمة أبو شامة في (ذيلالروضتين)(ص 68).
2/ التَّجرُّد لله في ردِّه، بِأَنْ يَكُون القَصْد وَالْمُراد إظهار الحقِّ والوصول إليه، لا الْمُغَالبة وَالْمُخَاصمة.
الانتصارُ لِلحقِّ وَبَيانُهُ، وَدَحْضُ البَاطِلِ وَردّه، هُو المقصدُوَالْمُرادُ لِمَنْ أبَانَ الْحقَّ وردَّ الباطل، وقِيَام المرءِالْمُتَّقي بِذَلك إنَّما هُو للهِ لاَ لِحظٍّ فِي النَّفس أو المغالبةونَحوها.
ومعلومٌ أنَّ الشَّيطانَ حَريصٌ كُلَّ الْحِرصِ عَلى أنْ يُفْسِدَالنِّيَّةَ مِنْ إخْلاَصهَا لِبَارِئهَا، فَعَلَى المرءِ أنْ يَتَذكَّردَوْماً أنَّ مَا يَقُومُ بهِ فِي هَذا الْمَقَامِ إنَّمَا هُو قُرْبَةٌيَتَقرَّب بها للهِ، وَ القُرَبُ لا يَقْبَلُها اللهُ إلاَّ إنْ كَانَتْلَه خَالصة (أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ)(الزمر: من الآية3).
ومنْ مَقَالات الأئمة في هذا المقام:
أ/ قولُ الإمامِ الآجريُّ في (أخلاق العُلماء)(ص 62-63) و قَدْ سَبَقَ فِي (النُّقْطة الأولى)، وَلا يَمْنَعُ مِنْ تِكراره لفائدتهِ قال:" وَأَعْظَمُ مِنْ هَذَا كُلِّهِ أنَّه رُبَّما احْتَجَّ أَحَدُهما بِسُنَّةٍعَنْ رَسُولِ الله صلَّى الله عليه وسلَّم عَلَى خَصْمهِ؛ فَيَرُدّها عليهِبِغَيْرِ تَمَيْيزٍ، كُلُّ ذَلكَ يَخْشَى أنْ تَنْكَسِرَ حُجَّتهُ،حَتَّىإنَّه لعلَّه أنْ يَقُولَ بِسُنَّةٍ عَن رَسُولِ الله صلَّى اللهعليهوسلَّم ثَابِتَةٍ فَيَقُولُ: هَذَا بَاطِلٌ، وهَذَا لاَ أَقُولُبِهِ،فَيَرُدَّ سُنَّةَ رَسُولِ الله صلَّى الله عليه وسلَّم بِرَأْيهِبَغْيرِتَمْييزٍ.
وَمِنْهم مَنْ يَحْتَجُّ فِي مَسألةٍ بِقَولِ صَحابِيٍّ؛ فَيَرُد عليهِخَصمهُ ذَلكَ وَلاَ يَلْتَفت إلَى مَا يُحْتَجُّ عَليهِ، كُلُّ ذَلكَنُصْرَة منْه لقولهِ، لاَ يُبَالِي أنْ يَردَّ السُّنَنَ وَالآثَار".
ب/ قالَ الإمامُ ابنُ بطة العُكبري في (الإبانة الكبرى)(2/541-542):"... اعْلَم يا أخي - رَحِمك الله- أنَّ الَّذي تُبلْى بِهِ مِنْ أَهْلِ هَذاالشَّأن لَنْ يَخْلُو أنْ يكونَ واحداً مِنْ ثَلاثة...
وَ رَجُلٌ آخَر يَحْضُر فِي مَجْلسٍ أَنْتَ فِيْهِ حَاضِرٌ تَأْمَنُ فِيْهِعَلَى نَفْسِكَ، وَيَكْثر نَاصِروكَ وَمُعِيْنوكَ، فَيَتَكلَّمُ بِكَلامٍفِيْه فِتْنة وَبَليَّةٌ عَلَى قُلوبِ مُسْتَمعيهِ؛ لِيُوقعَ الشَّكَّفِيالقُلوبِ، لأنَّهُ هُو مِمَّنْ فِي قَلبهِ زَيغٌ يَتَّبعُالْمُتَشَابِهِابْتَغَاءَ الفِتْنَةِ وَالبِدْعَةِ، وَقَد حَضرَ مَعَكَمِنْ إِخْوَانِكَوَأهْلِ مَذْهَبكِ مَنْ يَسْمعُ كَلاَمهُ ، إلاَّ أنَّهُلاَ حُجَّةَعِنْدَهُم عَلَى مُقَابَلتِهِ، وَلاَ عِلْمَ لَهُمبِقَبِيْحِ مَا يَأتِيبِهِ، فَإنْ سَكَتَّ عَنْهُ لَمْ تَأْمَنْفِتْنَتَهُ بِأنْ يُفْسِدَ بِهَاقُلُوب الْمُسْتَمِعينَ، وَ إدْخَالِالشَّكِّ عَلَى الْمُسْتَبصِرِين،فَهَذا أيضاً مِمَّا تَرُدُّ عَليهِبِدْعَتَهُ، وَ خَبيثَ مَقَالتِهِ،وَتَنْشُرُ مَا علَّمَكَ اللهُ مِنَالعِلْمِ وَالْحِكْمَةِ.
وَ لاَ يَكُن قَصْدكَ فِي الكَلاَمِ خُصُومتهُ وَلاَ مُنَاظَرتهُ،وَليَكُنْ قَصْدُكَ بِكلامكِ خَلاَص إخْوَانِكَ مِنْ شَبكتِهِ، فَإنَّخُبَثَاءَ الْمَلاَحِدةِ إنَّمَا يَبْسُطُونَ شِبَاك الشَّيَاطين؛لِيَصِيْدُوا بِهَا الْمُؤْمِنين، فَلْيَكُن إِقْبَالكَ بِكَلاَمكَ،وَنَشْر عِلْمِكَ وَحِكْمَتِك، وَبِشْرِ وَجْهِكَ، وَفَصيحِ مَنْطِقكَعَلَى إخْوَانِكَ، وَمَنْ قَدْ حَضَرَ مَعكَ لاَ عَليهِ، حَتَّى تَقْطَعَأُوَلئكَ عَنْهُ، وَتَحُول بَيْنَهُم وَبَيْنَ اسْتِمَاعِ كَلاَمهِ، بَلْإنْ قَدرتَ أنْ تَقْطَعَ عَليهِ كَلاَمَهُ بِنَوعٍ مِنَ العِلْمِ تُحَوِّلُبِهِ وُجُوهَ النَّاسِ عَنْهُ، فَافْعَلْ...".
ج/ قَالَ الإمَامُ السِّجزيُ في رسالتهِ ( الرَّد على مَنْ أَنْكَرَالْحَرْفَ والصَّوت) (ص 235): " وَ ليَكُنْ قَصد مَنْ تكلَّم في السُّنَّةاتَّباعها وقَبُولها لاَ مُغَالَبةالْخُصُوم، فَإنَّه يُعَانُ بذلكَعَليهم، وإذَا أرَادَ الْمُغَالبة رُبَّما غُلِبَ".
د/ قالَ العلاَّمة الشَّاطبي في (الاعتصام)(2/236-237):"..وأمَّا ذُوالزَّيغِ، فَإنَّ هَواهُ لاَ يُخلِّيه إلَى طَرحِ الْمُتَشابِه، فَلاَيَزالُ فِي جِدَالٍ عليهِ وَطَلبٍ لِتَأويلهِ، وَيَدلُّ عَلى ذَلكَ أنَّالآيةَ نَزلَتْ فِي شَأنِ نَصَارى نَجْران، وَ قَصْدهم أنْ يُنَاظِرُوارَسُولَ الله صلَّى الله عليه وسلَّم فِي عِيْسى بنِ مَرْيم عَليهماالسَّلام...والْحَاصلُ أنَّهُم إنَّما أَتَوا لِمُنَاظَرةِ رَسُولِ اللهصلَّى الله عليه وسلَّم وَمُجَادلتهِ، لاَ يَقْصِدُوَن اتِّباعَ الْحَقِّ.
والْجِدَالُ عَلَى هَذا الوَجْهِ لاَ يَنْقَطِعُ... وشأنُ هَذا الْجِدالِأنَّهُ شَاغِلٌ عَنْ ذِكْرِ الله وعَنِ الصَّلاَةِ، كالنَّرد وَالشَّطَرنْجِ وَغَيرهما..".
هـ/ قال العلاَّمة ابنُ النَّجَّارِ في (شَرحِ الكَوكب المنير)(3/361) نَقْلاً عن أبِي مُحمَّد الجوزي أنَّه قالَ:" أَوَّلُ مَا تَجِبُالبُدَاءَةُ بِهِ: حُسْنُ القَصْدِ فِي إظْهَارِ الْحقِّ، طَلباً لِمَاعِنْدَ الله تعالى، فَإنْ آنسَ مِنْ نَفسهِ الْحَيْدَ عَن الغَرَضِالصَّحيحِ فَلْيَكُفها بِجهدهِ، فَإنْ مَلَكهَا، وَإلاَّ فَلْيَتْرُكِالْمُنَاظرةَ فِي ذَلكَ الْمَجْلِس..".
وقالَ (3/364):" فأمَّا إذَا كانَ الْجَدَلُ عَلى وَجْهِ الغَلَبَةِوَالْخُصُومَةِ وَالغَضَبِ وَ وَجْهِ الْمِرَاءِ...فَمُزيلٌ عَنْ طَريقِالْحقِّ، وَإليهِ انْصَرفَ النَّهي عَنْ (قِيْلٍ وقَال)..".
و/ قال العلاَّمة الشَّوكاني في (أدبِ الطلب)(ص 81):" وكثيراً مَا تَجِدُالرَّجُلين الْمُنْصِفَين مِنْ أَهْلِ العِلْمِ قَد تَبَاريَا فِي مَسألةٍوَ تَعارضَا فِي بَحثٍ، فَبَحثَ كُلُّ وَاحدٍ مِنْهُما عَنْ أَدِلَّةِ مَاذَهبَ إليْهِ، فَجَاءَا بِالْمُتَردِّيَةِ وَ النَّطِيْحَةِ، عَلى عِلْمٍمِنْهُ بِأنَّ الْحقَّ فِي الْجَانِبِ الآخَر، و أنَّ مَا جَاء بهِ لاَيُسْمِنُ وَ لاَ يُغْنِي مِنْ جُوعٍ.
وَهَذا نَوعٌ مِنَ التَّعَصُّبِ دَقِيقٌ جدَّاً يَقَعُ فِيْهِ كَثيرٌ مِنْأهْلِ الإنْصَافِ، ولا سيَّمَا إذَا كانَ بِمَحْضر النَّاسِ، وَ أنَّه لايَرْجِعُ الْمُبْطِلُ إلَى الْحقِّ إلاَّ فِي أَنْدَرِ الأَحْوَالِ،وَغَالب وقُوع هَذا فِي مَجَالسِ الدَّرْسِ وَمَجامعِ أهْلِ العِلْمِ".
3/ العَدْلُ.
إنَّ الله عزَّ في عُلاه حَكَمٌ عدلٌ، حرَّم الظُّلمَ علىَ نَفْسهِوَجَعَلهُ بَيْنَ عِبَاده مُحرَّماً، لذَا فَإنَّ الظُّلم مُحَرَّمٌ علَىالإطْلاَقِ، وأنَّ الواجبَ القيام بِضدِّه ألاَ وَهُو (العَدْلُ)، لأنَّ:" الإنْسَانَ خُلقَ ظَلوماً جهولاً، فالأصلُ فيه عدَمُ العِلْم، وميلُه إلىما يَهْواهُ مِنَ الشَّرِّ، فيَحْتَاجُ دائماً إلى عِلْمٍ مُفصَّلٍيَزُولُبه جَهلهُ، وَ عَدلٍ فِي مَحبَّته وبُغضهِ وَ رضاهُ وغضبهِ،وفعلهِوَتركهِ وَ إعطائهِ وَمنعهِ، وَ كُلّ ما يَقُولهُ وَيَعْملهُيَحْتاجُ فيهِإلَى عَدْلٍ يُنَافِي ظُلمه، فإنْ لَمْ يَمُنّ اللهُ عليهِبِالعِلْمِالْمُفَصَّل والعَدْلِ الْمُفَصَّل، وإلاَّ كانَ فيهِ مِنَالْجَهْلِوَالظُّلمِ مَا يَخْرُجُ به عَن الصِّراط الْمُسْتَقيم".
قَاله شيخ الإسلام ابن تيمية في (قاعدة في أنواع الاستفتاح في الصلاة)(ص40).
و لَمَّا كانَ بَيانُ الْحَقِّ لِلْخَلْقِ وَالرَّد عَلى البَاطلِ مُهمَّةشَريفة نَبيلة؛ فَإنَّ ذلكَ لاَ يُبِيْحُ ظُلْمَ الْمَرْدُودِ عليهِ وَلَوكَانَ كَافراً!! وعَلَى هَذا الْميزان العَدل قَامَ أَهْلُ السُّنَّةِفِيرُدُودِهم عَلى الْمُخَالِفينَ، بِعِلْمٍ وَعَدْلٍ.





رد مع اقتباس
