تتمة
قالَ شَيخُ الإِسْلاَمِ ابنُ تيميَّة في (الرَّد على الإخنائي) (ص 242):" وهَذَا كلُّه مِمَّا نَهى عنْهُ رَسُولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم فِيالأَحَاديثِ الصَّحيحةِ، فَكَيْفَ يُشبَّهُ مَا نَهَى عَنْهُ وَحَرَّمَهُبِمَا سَنَّهُ وَفَعَلهُ؟ وَهَذا الموضعُ يَغْلَطُ فيْهِ هَذاالْمُعْتَرِضُ وأمثاله، لَيسَ الغَلَطُ فِيْهِ مِنْ خَصَائصهِ، وَنَحْنُنَعْدِلُ فيْهِ وَنقصدُ قَول الْحقِّ والعَدْل فيهِ كمَا أمر الله تَعالى،فإنَّه أمرَ بِالقِسْطِ علَى أعدائِنَا الكُفَّار، فَقَالَ سُبْحَانَهُ (كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْشَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُلِلتَّقْوَى)- (المائدة: من الآية8)-، فكَيْفَ بِإخْوانِنَا الْمُسْلِمينَ،وَالْمُسْلمونَ إِخْوةٌ، واللهُ يَغفرُ لَهُ ويُسدِّده، ويوفّقهُ وَ سائرإخْواننَا الْمُسْلِمينَ".
وقَالَ أيضاً كما في (مجموع الفتاوى)(3/245):"..هَذا وأنَا فِي سِعَةِصَدْرٍ لِمَن يُخَالفني، فإنَّهُ وَإنْ تَعدَّى حُدُود الله فِيَّبِتَكْفِيرٍ أو تَفْسيقٍ أوْ افْتَراءٍ أو عَصبيَّةٍ جَاهليَّةٍ: فَأنَالاَ أَتَعَدَّى حُدُودَ الله فيهِ، بَلْ أضْبِطُ مَا أَقُولهُ وَ أَفعلهُ،وَ أَزنُهُ بِمَيزانِ العَدْلِ، وَأجعلهُ مُؤْتَماً بالكتَابِ الَّذيأنزلَهُ الله، وَجَعَلهُ هُدىً للنَّاسِ، حَاكماً فيْمَا اخْتَلَفُوا فيهِ،قالَ الله تعالى (كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُالنَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَبِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ)- (البقرة: من الآية213)-، وقال تعالى (فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍفَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ ) -(النساء: من الآية59)- وقالتعالى (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَامَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ)- (الحديد: من الآية25)-، وذلك أنَّك ما جزيتَ من عصى الله فيك بمثل أن تطيعالله فيه (إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْمُحْسِنُونَ) - (النحل:128)-، وقال تعالى( وَ إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوالا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَمُحِيطٌ)- (آل عمران: من الآية120)-".
ومن المقالات في هذه النقطة زيادةً على ما سبقَ:
أ/ قال شيخُ الإسلام ابن تيميةفي (الجواب الصِّحيح)(1/107-108):" ولَمَّاكَانَ أَتْبَاعُ الأنَبياء هُم أهْلُ العِلْمِ وَالعَدْلِ، كانَ كَلام أهْلالإسلامِ وَالسُّنَّةِ مَعَ الكُفَّارِ وَأهلِ البِدَعِ بِالعِلْمِوَالعَدْلِ لاَ بِالظَّن و مَا تَهوىَ الأَنْفُس، ولِهَذا قالَ النَّبيُّصلَّى الله عليه وسلَّم (القُضَاةُ ثلاثةٌ..)، فإذَا كانَ مَنْ يَقْضيبَيْنَ النَّاسِ فِي الأَمْوَالِ وَالدِّمَاءِ وَالأَعْرَاضِ إذَا لَمْيَكُن عَالِمَاً عَادِلاً كَانَ فِي النَّارِ، فَكَيفَ بِمَنْ يَحْكُمُ فِيالْمِلَلِ وَالأَدْيَانِ وَأُصُول الإيْمَانِ وَالْمَعَارِفِ الإلهيّةوَالْمَعالِمِ العَليّة بِلاَ عِلْمٍ وَلاَ عَدْلٍ؟".
وقال أيضاً في (الرَّدِّ على الإخنائي)(ص 110):" وليسَ الْمَقْصُودُأيْضَاً العُدْوانُ عَلَى أَحَدٍ- لاَ الْمُعْتَرِضِ وَلا غَيرِهِ- وَ لاَبَخْسِ حَقِّه وَلاَ تَخْصيصهِ بِمَا لاَ يَخْتَصُّ بِهِ مِمَّا يَشْركهُفِيْهِ غَيرهُ، بَلْ الْمَقُصود الكَلاَم بِمُوجبِ العِلْمِ وَ العَدْلِوَالدِّيْنِ كمَا قال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُواقَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُقَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُلِلتَّقْوَى)-(المائدة: من الآية8)-".
ب/ قَالَ الإمامُ ابنُ رجبٍ الحنبلي في (جامع العلوم والحكم)(1/372) شارحاًحديث (لا تَغْضَبْ) عنْدَ البُخاريّ، قَال:" وكَانَ مِنْ دُعَائهِ صلَّىالله عليه وسلَّم (أَسْأَلُكَ كَلِمةَ الْحَقِّ فِي الغَضَبِ وَالرِّضا)،وهَذا عَزيزٌ جدَّاً، وهو أنَّ الإنْسَانَ لاَ يَقُولُ سِوى الْحَقِّسَواءغَضِبَ أو رضيَ، فإنَّ أكثرَ النَّاسِ إذَا غضبَ لا يَتَوقَّففِيْمَايَقُولُ".
ج/ قال الإمامُ ابنُ القيم في (إعلام الموقعين)(3/106-107):"... واللهُتعالى يُحبُّ الإنْصَافَ، بَلْ هُو أَفضلُ حِليةٍ تَحلَّى بِهَا الرَّجُل،خُصوصاً مَنْ نَصَّبَ نَفْسه حَكَماً بَين الأَقْوالِ وَالْمَذاهبِ، وقَدقالَ الله تعالى لرسوله (وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ )-(الشورى: منالآية15)- فَورثَةُ الرَّسُولِ مَنْصبهمْ العَدل بَيْنَ الطَّوائف و ألاَّيَميلَ أَحَدهُم مَعَ قَريبهِ وَذَوي مَذْهبهِ وَطَائفتِهِ وَمَتْبُوعهِ،بَلْ يَكُونُ الْحَقّ مَطْلوبهُ، يَسِيْرُ بِسيرهِ،وَيَنْزِلُ بِنُزُولهِ،يَدينُ بدينِ العَدْلِ وَالإنْصَافِ وَيَحْكِّمُالْحُجَّة، وما كانَعليهِ رَسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّموأَصْحَابُهُ؛ فَهُو العِلْمُالَّذي قَد شَمَّر إليهِ، وَ مَطْلُوبُهُالَّذي يَحومُ بِطَلبهِ عليهِ، لايثْني عنَانهُ عَذْل عَاذلٍ، وَلاتَأْخذه فيهِ لَومَةُ لائِمٍ، وَلاَيَصدُّه عَنْهُ قَولُ قَائلٍ".
وقالَ كَلاماً نفيساً جدَّاً في (الرِّسَالة التَّبوكيَّة)(ص 58-64):" ومِنَ العَجبِ أنْ يَدَّعِي حُصُولَ هَذه الأَوْلويَّة وَالْمَحبَّةالتَّامَّةِ مَنْ كَانَ سَعيهُ وَاجْتِهادهُ وَنَصَبهُ فِي الاشْتِغَالِبِأقْوالِ غَيرهِ- أيْ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم- وتَقْرِيرِهَا،والغَضَبِ وَالْمَحبَّةِ لَهَا، وَ الرِّضَا بِها وَ التَّحَاكُمِ إليْهَا،وَعَرْضِ مَا قَالَهُ الرَّسُولُ عَليهَا، فَإنْ وَافَقهَا قَبِلهُ،وَإنْخَالفهَا التَمَسَ وُجُوه الْحِيَلِ وَبَالَغَ فِي رَدِّهِ ليَّاًوإعْراضاً، كمَا قال تعالى (وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّاللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً)-(النساء: من الآية135)-.
وقدْ اشْتَملت هَذه الآية علَى أَسْرَار عَظيمةٍ يَجِبُ التَّنبيهُ عَلىبَعْضها؛ لِشدَّة الْحَاجَةِ إليْها؛ قال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَآمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَىأَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيّاًأَوْ فَقِيراً فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْتَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَاتَعْمَلُونَ خَبِيراً) -(النساء:135)-
فَأَمرَ سُبْحَانَهُ بِالقيامِ بِالقِسْطِ وَهُو: العَدْلُ فِي هَذه الآية،وهَذا أمرٌ بالقيَامِ بِه فِي حَقِّ كُلِّ أَحَدٍ، عَدُوَّاً كانَ أوَوَليَّاً، وَأحَقّ مَا قَامَ لَهُ العَبْد بِقَصْدِ الأَقْوالِ وَالآرَاءِوَ الْمَذاهبِ؛ إذْ هِيَ مُتعلِّقة بِأمرِ الله وَخَبرهِ.
فَالقيامُ فِيْهَا بِالَهَوىَ وَالْمَعْصِيَةِ مُضَادٌ لأَمْرِ الله، مُنافٍ لِمَا بَعثَ بِه رَسُولَهُ.
والقيامُ فيْها بِالقِسْطِ وَظِيْفةُ خُلَفاءِ الرَّسُولِ فِي أُمَّتهِ،وَأُمَنَائهِ بَين أَتْبَاعهِ، وَلا يَستحقّ اسمَ الأَمَانَةِ إلاَّ مَنْقَامَ فِيْهَا بِالعَدْلِ الْمَحض، نَصيحةً للهِ وَلكتَابهِ وَلِرَسُولهِوَلِعَبادهِ، و أولئكَ هُم الوَارثُون حَقَّاً، لاَ مَنْ يَجْعل أَصْحَابهوَنِحْلته وَمَذهبه مِعْيَاراً علَى الْحقِّ مِيْزاناً لَهُ، يُعَادي مَنْخَالَفَهُ وَيُوالِي مَنْ وَافَقهُ بِمُجرَّدِ مُوافقتِه وَمُخَالفتهِ،فَأينَ هَذا منَ القِيَامِ بِالقِسْطِ الَّذي فَرضه الله عَلى كُلِّ أحدٍ؟وهُو فِي هَذا البَابِ أَعْظَمُ فَرْضَاً وأكَبْر وُجُوباً.
ثم قَالَ (شُهَدَاء للهِ): الشَّاهدُ هُو: الْمُخْبِرُ، فإنْ أخبرَ بِحقٍّفَهُو شَاهدُ عَدْلٍ مَقْبُول، وإنْ أَخبرَ بِبَاطلٍ فَهُو شَاهدُ زُورٍ،وَ أمرَ تَعالى أنْ يكونَ شَهيداً لَهُ مَع القيَامِ بِالقِسْطِ، وَهَذايَتَضمَّنُ أنْ تَكُونَ الشَّهَادةُ بالقِسْطِ، وأنْ تَكُونَ للهِ لاَلِغيرهِ، وقالَ في الآية الأخرى (كُونُوا قَوَّامِينَ للهِ شُهَداءَبِالقِسْطِ)- (المائدة:8)-، فَتَضمَّنت الآيتان أُموراً أربعة:
أحدُها: القِيَامُ بِالقِسْطِ.
الثَّاني: أنْ يَكونَ لله.
الثَّالثُ: الشَّهادةُ بِالقِسْطِ.
الرَّابعُ: أنْ تَكُونَ للهِ.
واخْتَصَّتْ آيَة النِّسَاءِ بِالقِسْطِ وَالشَّهَادَةِ للهِ، وآيةالْمَائدةِ بِالقِيَامِ للهِ وَ الشَّهَادَةِ بِالقِسطِ، لِسِرٍّ عَجِيْبٍمِنْ أَسْرَارِ القُرْآنِ لَيس هَذا مَوضع ذكْرهِ.
ثُمَّ قَالَ تَعالى ( وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِوَالأَقْرَبِينَ ) فأمرَ سُبْحَانهُ أنْ يُقَامَ بِالقِسْطِ وَ يُشْهدَعَلَى كُلِّ أَحَدٍ، وَلَو كَانَ أَحَبَّ النَّاسِ إلَى العَبْدِ؛ فَيَقومبِالقِسْط علَى نَفسهِ وَ وَالِدَيهِ الَّلذين هُمَا أَصْلهُ، وَأَقَاربهِالّذينَ هُم أَخَصُّ بهِ، وَ الصَّدِيقِ مِنْ سَائرِ النَّاسِ،فَإنْ كَانمَا فِي العِبْدِ مِنْ مَحبَّةٍ لِنَفسهِ وَلِوَالديهِ وَأَقْرَبِيهيَمْنعهُ مِنَ القِيَامِ عَليهم بالْحقِّ وَلاَ سِيَّمَا إذَاكَانَالْحَقُّ لِمَن يُبْغِضهُ وَيُعَاديهِ قبلهمْ، فَإنَّهُ لاَ يَقومُبِه فِيهَذا الْحَالِ إلاَّ مَنْ كَانَ اللهُ وَ رَسُولُهُ أَحبّ إليهِمِنْكُلِّ مَا سِوَاهُمَا.
وهَذا يَمْتَحِنُ بِهِ العَبْدُ إِيْمَانَهُ، فَيَعرف مَنْزِلَةَ الإيْمَانمِنْ قَلبهِ وَ مَحَلّه منْهُ، وَعَكسُ هَذا عَدلُ العَبْدِ فِيأَعْدائهِوَمَنْ يَجْفُوه، فإنَّهُ لاَ يَنْبغي أنْ يَحْمِلَهُ بُعْضُهُلَهُم أنْيَحِيْفَ عَليهمْ، كمَا لاَ يَنْبَغي أنْ يَحْملَهُ حُبُّهُلِنَفْسهِوَوَالديهِ وَأقَارِبِهِ عَلَى أنْ يَتْرُكَ القِيَامَ عَليْهمبِالقِسْطِ،فَلا يُدْخِله ذَلكَ البُغْضُ فِي بَاطلٍ، وَلاَ يَقْصُرُبِهِ هَذاالْحُبُّ عَنِ الْحقِّ، كمَا قَال بَعضُ السَّلفِ ( العَادِلُهُو الَّذيإذَا غَضِبَ لَمْ يُدْخِلْهُ غَضَبُهُ فِي بَاطلٍ، وإذَارَضِيَ لَمْيُخْرِجْهُ رِضَاهُ عَنِ الْحَقِّ ).
فاشْتَملت الآيتَان عَلى هَذين الْحُكْمَيْن،وَهُما:
القِيَامُ بِالقِسْطِ، وَالشَّهَادَةُ بِهِ، عَلَى الأَوْليَاءِ وَالأَعْدَاءِ..".
4/ الأمَانَةُ.
إنَّ تَحقيقَ الأمَانَةِ فِي نَقْلِ قَولِ الْمُخَالِفِ لِلرَّدِّ عليهِهُوَ مِنَ (العَدْلِ) الْمُتَقدِّم بَيانهُ، وَ الإخْلاَلُ بِه نَوْعُظُلمٍ، ومِمَّا سَبَقَ أيضاً أنَّه يَجبُ أنْ يكونَ القَصد وَالغَرَضُ مِنَالرَّدِّ (ا لوصُول إلى الْحَقِّ ).
وهَذَا الْمَسْلَك قَدْ سَلَكهُ أئمَّة أهل السُّنَّة مَعَ الْمُخَالِفينجَمِيْعاً، فَيَذْكُرُونَ أَقْوالهم مِنْ غَيْرِ إخْلاَلٍ، ثُمَّ يَكرُّونعليهَا بِالرَّدِّ والدَّحْضِ.
قالَ شَيخُ الإسلام ابن تيميَّة في (الجواب الصَّحيح)(1/99):" وأنَاأَذْكُرُ مَا ذَكَروهُ بِأَلْفَاظِهِمْ بِأَعْيَانِهم فَصْلاً فَصْلاً، وَأُتْبِعُ كُلَّ فَصْلٍ بِمَا يُنَاسبهُ مِنَ الْجَوابِ فَرْعَاًوَأَصْلاً،وَعَقْداً وَحَلاً..".
و قالَ في مَوطنٍ آخر :" وهذه ألفاظهم بأعيانها" (الجواب الصَّحيح)(3/28).
وقال في (الرَّدِّ على الإخنائي)(ص 111):" ولكنْ لَمَّا كَانَ هَذا صنَّفَمُصنَّفاً وأَظْهَرَهُ وشَهَرهُ، لَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنْ حِكَايَةِأَلْفَاظِهِ وَ الرَّدِّ عَليهِ وَ عَلَى مَنْ هُو مِثْلهُ، مِمَّنيَنْتَسِبُ إلَى عِلْمٍ وَدِيْنٍ، وَيَتكلَّمُ فِي هَذهِ الْمَسألةِ بِمَايُنَاقِضُ دِيْنَ الْمُسْلِمْين، حَيثُ يَجْعَلُ مَا بَعَثَ اللهُ بِهِرَسُولَهُ كُفْراً، وهَذَا رَأْسُ هَؤلاءِ الْمُبَدِّلينَ، فَالرَّدُّعَليهِ ردٌّ عَليْهم".
وقالَ الإمامُ الهمام ابنُ القيم في مقدِّمة كتَابه العظيم (هدايةالحيارى)(ص 39):"... وضمَّنتُه أَجْوبَةَ الْمَسائلِ وَتَقرير نُبوَّةمُحمَّدٍ صلَّى الله عليه وسلَّم، بِجَميعِ أَنْواعِ الدَّلائل، فجَاءَبِحَمْدِ الله وَ منِّهِ وَتَوْفيقهِ كِتَاباً مُمْتِعَاً مُعْجباً، لاَيَسْأمُ قَاريهِ، وَلاَ يَمَلُّ النَّاظر فيهِ...يُعطيكَ مَا شئتَ مِنْأَعْلاَمِ النُّبوَّةِ وَ بَراهين الرِّسَالَةِ، وَبِشَارات الأنْبِيَاءبِخَاتِمهِمْ، وَاستْخِرْاجِ اسْمهِ الصَّرِيْح مِنْ كُتُبهمْ، وَذكرنَعتهِ وَصِفَتهِ وَ سِيرَتهِ مِنْ كُتُبهمْ، وَالتَّمييز بَين صَحيحِالأَدْيَان وَ فَاسِدِهَا، وَكَيْفِيَّة فَسَادِهَا بَعدَ اسْتِقَامَتهَا،وَجُملة مِنْ فَضَائحِ أَهْلِ الكِتَابَيْن وَمَا هُمْ عَليهِ، وأنَّهُمأَعْظَمُ النَّاسِ بَراءَةً مِنْ أَنْبِيَائِهم، وأنَّ نُصُوصَأَنْبِيَائِهم تَشْهدُ بِكُفْرِهم وَضَلالِهمْ، وَغَير ذَلكَ مِنْ نُكَتٍبَدِيْعَةٍ لاَ تُوجدُ فِي سِوَاهُ".
5/ التَّثبُّت.
إنَّ تَحقيقَ هَذا الأَمْر أيضاً مُتَعلِّقٌ وَمُرتَبِطٌ بِمَا سَبَق فِيالنُّقطة رقم (3) الْمُخْتَصَّة بِـ(العَدْلِ)؛ إذْ العَدَالةُ تَقْتَضيأنْ يَتَثَبَّتَ الرَّادُّ مِنْ قَولِ أَوْ كَلاَمِ الْمَرْدُودِ عَليهِ،بإحدىَ طُرقِ الإثْباتِ الصَّحيحة؛ لِيَصحّ حُكمهُ وَنَقْدُهُ.
و هذا الأمرُ أعني (التَّثَبُّت) مِنَ القَواعدِ الْمُقَرَّرة لدَى أَهْلالسُّنَّة، وهُو يَدلُّ عَلَى نَزَاهتهم وَعَدْلِهم وَ إنْصَافِهم، لكنَّهَذه القَاعدة وَ(العَدْلُ) وَ(الإنْصَافُ)، وَنَحوها مِنَ القَواعدِوَالأُصُولِ الْمُتَرابطة السُّنِّية العَظيمة، حَاولت بَعْضُ الفِئَامِقَلْبَ حَقَائِقَها وَتَزْويرهَا عَنْ أُصُولِهَا السُّنِّية، فَشَغَّبوابِهَا عَلَى أَهْلِ السُّنَّةِ ظنَّاً منْهُم أنَّ الأمْرَ يَنْطَلِيوَيَمرّ مِنْ غَيْرِ نَخْلٍ وَكَشْفٍ وَإِبْطَالٍ، وَالله غَالبٌ عَلَىأَمْرِهِ.
فَهَذا الأصل السُّنِّي قَدْ تَكَلَّمتُ عليه مُفصَّلاً فِي ردِّي عَلَىالمشغِّبِ بِالبَاطِلِ أَبِي الْحَسنِ مُصْطَفى بن إسماعيل المأربي المصريفي كتابي (الفتح الرباني في الرد على أبي الحسن السليماني) (الثابتالثاني: التثبت) من (ص218-233)، وذَكَّرتُ هُنَاك بأمورٍ تَتعلَّقبتَحَقِيْقِهَذَا الأصلِ، وَبَعض طُرق إِثْبَاتهِ لدَى أَهْل السُّنَّةِ،وَالَّتِيمنْها: ( أَوَّلاً: الرِّحْلَةُ فِي طَلبِ الْحَديثِ،وَالعنَاية فِيالنَّقْل) و(ثَانياً: قَبولُ خَبَر العَدْلِ) وَ(الكَشْفعَنْ حَالِالرَّجُل الْمُخَالِفِ مِنْ خِلالِ كُتُبهِ وَمُصَنَّفَاتهِ) وَ (إعْمَالقَاعدة: بَلَديّ الرَّجُل أَعْرَف بِه).
فأكْتَفي بهِ عَن التِّكرار هُنا، والله الموفق.
6/ عَدَمُ ردِّ البَاطل بِبَاطِلٍ، وإنَّما يُرَدُّ البَاطل بالْحَقِّ.
سبقَ أنْ ذَكرتُ أنَّ المقصودَ مِنَ الرَّدِّ عَلَى الْمُخَالِفِ (الوصُولإلى الْحَقِّ وَبيانه) وَردِّ الباطل ودَحْضهِ، فَيُؤدِّي الْمُفْروضَعليهِ بتجرُّدٍ تامٍّ لله جلَّ وعلاَ، قَالَ العلاَّمة السجزيُّ في (الرَّدعَلى مَنْ أنكر الحرف والصَّوت)(ص 235):" قَالَ الحسن: المؤمنُ ينشرُحِكْمَة الله، فإنْ قُبِلتْ منْه حَمِد الله، وإنْ رُدَّت حَمِدَ الله.
- قَال السِّجزيُّ معلِّقاً- وَمَوضِعُ الْحَمدِ فِي الرَّدِّ أنَّهُ قَدْ وفِّق لأدَاءِ مَا عَليهِ".
لذَا فَأهلُ السُّنَّة سَمْتُهم وَ سِيْمَاهُم أَبداً ( لُزُومُ الْحَقِّ،وَ اتِّباعُهُ )، فِي كلِّ شأنٍ مِنْ شُؤون أُمُورهم، ومنْها الرَّد عَلَىالْمُخَالِفِ، وَلا حَاجة فِي رَدِّ بَاطلهِ بِبَاطلٍ آخر، وقَد سَبقنَقْلُ تَحذيرُ بَعض الأئمَّة مِنْ ردِّ البَاطلِ بباطلٍ؛ كَالإمام الآجريوكذَا الإمام ابن بطة العكبري حيثُ قالَ مُحذِّراً مِنْ ( إِرَادَةالْحقِّمِنْ غَير طَريق السُّنَّة فإنَّه باطلٌ، وكَلامك عَلى السُّنَّةِمِنْغَيرِ السُّنَّة بِدْعةٌ).
وقَال الإمامُ البربهاري في (شَرح السُّنة)(رقم 157/119):" و لاَ تَطْلُب مِنْ عِنْدكَ حيلةً ترُدُّ بها علَى أَهْلِ البِدَعِ..".
وقيلَ للإمام عبدالرَّحمن بْن مَهدي:" إنَّ فُلاناً صنَّفَ كِتَاباً يَردُّ فيه على الْمُتْبَدعة.
قالَ: بِأَيِّ شَيءٍ؟ بالكتَابِ وَالسُّنَّةِ؟ قَالَ: لاَ، لَكِنْ بِعِلْمِ الْمَعْقُول وَالنَّظرِ.
فَقَال: أَخْطأَ السُّنَّةَ، وَرَدَّ بِدْعَةً بِبِدْعَةٍ" (صون المنطق)(ص 131).
وقَالَ شيخ الإسلام ابن تيمية كما في (مجموع الفتاوى)(3/322):"..وإذَاعُرفَ هَذا فَإِطْلاَقُ القَول: بِتَكْليفِ مَا لاَ يُطَاق، مِنَ البِدَعِالْحَادِثَةِ فِي الإسْلاَمِ؛ كَإطلاقِ القَول: بأنَّ النَّاسَ مَجْبُورونعلَى أَفْعَالِهم، وقَدْ اتَّفقَ سَلَفُ الأُمَّةِ وَأئمَّتُها عَلىإنْكَارِ ذَلكَ، وَذَمِّ مَنْ يُطْلقهُ وَ إنْ قَصَدَ بِه الرَّدَّ عَلَى (القَدريَّة)، الَّذين لاَ يُقرُّونَ بأنَّ الله تَعالَى خَالق أَفْعالِالعِبَادِ، وَلاَ بِأنَّه شَاءَ الكَائِنَات، وَقَالوا: هَذَا ردَّبِدْعَةً بِبِدْعَةٍ، وَقَابلَ الفَاسِدَ بِالفَاسِدِ، وَالبَاطِلَبِالبَاطِلِ..".
لذَا كانَ يَقُولُ شَيْخُ الإسلام ابن تيميَّة :" أنَا أَلْتَزِمُ أنَّه لايَحْتج مُبْطِلٌ بآيةٍ أَوْ حَدِيثٍ صَحِيحٍ عَلَى بَاطِلِه إلاَّ وَ فِينَفْسِ ذَلِكَ الدَّليلِ مَا يَدلُّ عَلى نَقِيْضِ قَولهِ" (نقله ابنالقيم) في (حادي الأرواح)(ص 202).
وقَالَ الإمامُ عُثمان بن سعيد الدارمي في (الرَّدِّ عَلى الجهميَّة) (ص 186) :"..لكنَّا نُكَفِّرُهُم بِمَا تَأوَّلْنَا فِيْهم مِنْ كتَابِ اللهعزَّ وجلَّ، و روينا فيْهم مِنَ السُّنَّةِ، وَبِمَا حَكيْنَا عَنْهُم مِنَالكُفْر الوَاضحِ الْمَشْهُورِ الَّذي يَعقلهُ أَكْثَر العَوامِّ، وَبَماضَاهوا مُشْركي الأُمَم قَبْلَهم بِقَولهمْ فِي القُرآن، فَضْلاًعَلى مَارَدُّوا عَلى الله وَرَسُولهِ، مِنْ تَعْطيلِ صِفَاتهِ،وَإنْكَارِوَحْدَانيَّتهِ، وَمَعْرفَةِ مَكانِهِ، وَاسْتِوائهِ عَلَىعَرْشِهِبِتَأويلِ ضَلالٍ، بِهِ هَتَكَ اللهُ سِتْرَهم، وأبدَ سَوءتَهم،وعَبَّرَعَنْ ضَمَائِرهمْ، كُلَّما أَرَادُوا بِهِ احْتِجَاجَاً،ازْدَادتْمَذَاهبهم اعْوِجَاجَاً، وَازْدَادَ أَهْلُ السُّنَّةِبِمُخَالَفَتِهمابْتِهَاجَاً، وَلِمَا يُخْفُونَ مِنْ خَفَايازَنْدَقَتِهمْاسْتِخْرَاجاً".
وقالَ شيخُ الإسلامِ ابن تيميَّة أيضاً كما في (مجموع الفتاوى)(6/288):" فَصْلٌ: فيه قَاعِدةٌ شَرِيْفَةٌ، وَهي:
أنَّ جَميعَ مَا يَحْتَجُّ بِهِ الْمُبْطِل مِنَ الأدلَّةِ الشَّرعيَّةوَالعَقليَّة إنَّمَا تَدُلُّ عَلَى الْحَقِّ، لاَ تَدلّ عَلَى قَولِالْمُبْطِلِ، وَهَذا ظَاهرٌ يَعْرفه كُل أَحدٍ؛ فإنَّ الدَّليلَ الصَّحِيْحلاَ يَدلُّ إلاَّ عَلَى حَقٍّ، لاَ عَلَى بَاطلٍ.
يَبْقَى الكَلاَم فِي أعْيَانِ الأدلَّةِ، وَبَيانِ انْتِقَاءِ دِلاَلتِهَاعَلَى البَاطِلِ، وَدلالتهَا عَلَى الْحَقِّ؛ هُو تَفْصيلُ هَذاالإجْمَال.
وَالمقصودُ هُنا شيءٌ آخر، وهُو: أنَّ نَفْس الدَّليلِ الَّذي يَحْتَجُّبِهِ الْمُبْطل، هُو بعينهِ إذَا أُعطي حقَّه، وَ تَمَيَّز مَا فيهِ مِنْحَقٍّ وَ بَاطلٍ، وَبَيْنَ مَا يَدلُّ عَليهِ، وَتَبْيِن أنَّه يَدلُّعَلَى فَسادِ قَول الْمُبْطِلِ الْمُحَتجّ بِهِ فِي نَفْس مَا احْتَج بهِعَليهِ، وَهَذا عجيبٌ، قَد تَأمْلتُه فِيْمَا شَاء اللهُ مِنَ الأدلَّةالسَّمْعية فَوجَدتُه كَذَلك".
وقالَ أيضاً في (درء تعارض العقل والنقل)(7/182):"... وأهلُ الكلام الَّذينذَمَّهُم السَّلف لاَ يَخْلُو كَلام أَحَدٍ مِنْهُم عَلَى مُخَالَفَةِالسُّنَّةِ وَ رَدِّ بَعْض مَا أَخْبَر بهِ الرَّسُولُ صلى الله عليه وسلم،كَالْجَهْميَّة وَ الْمُشبِّهة وَالْخَوارِج وَ الرَّوَافضِوَالقَدَريَّةوَالْمُرْجئَةِ.
وَيُقالُ: بِأَنَّه لاَ بُدَّ أَنْ تُحْرَسَ السُّنَّةُ بالْحَقِّوَالصِّدْقِ وَالعَدْلِ، كَمَا لا تُحْرسُ بِكَذبٍ وَلاَ ظُلْمٍ، فَإذَارَدَّ الإنْسَانُ بَاطلاً بِبَاطِلٍ، وَقَابَلَ بِدْعَةً بِبِدْعَةٍ كَانَهَذَا مِمَّا ذَمَّهُ السَّلف وَالأئمَّة".
وفَّق الله الجميع لما يُحبُّه ويرضاه، وصلى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وآله وصحبه وسلَّم.
يتبع بحول الله تعالى
وكتب
عبدالله بن عبدالرحيم البخاري- كان الله له-
الأربعاء/ 23/ صفر/ 1430هـ





رد مع اقتباس
