بسم الله الرحمن الرحيمالبعث بعد الموت
قال الإمام اسماعيل بن عبد الرحمن الصابوني رحمه اللهويؤمن أهل الدين والسنة بالبعث بعد الموت يوم القيامة ، وبكل ما أخبر الله سبحانه ورسوله صلى الله عليه وسلم من أهوال ذلك اليوم الحق ، واختلاف أحوال العباد فيه والخلق فيما يرونه ويلقونه هنالك في ذلك اليوم الهائل من أخذ الكتب بالأيمان والشمائل ، والإجابة عن المسائل ، إلى سائر الزلازل والبلابل الموعودة في ذلك اليوم العظيم والمقام الهائل من الصراط والميزان ، ونشر الصحف التي فيها مثاقيل الذر من الخير والشر ، وغيرها .الشرحقال الشيخ ربيع بن هادي المدخلي حفظه اللهيذكر المؤلف هنا من العقائد الإيمان بالبعث بعد الموت ، وتراه هنا غير العبارة من قوله ( يؤمن أهل الحديث ) إلى قوله ( ويؤمن أهل الدين والسنة بالبعث بعد الموت )، لأنه حتى اليهود والنصارى يؤمنون بالبعث ، وضلال المسلمين كذلك يؤمنون بالبعث ، ولكن يخالفون في قضايا مما يتعلق فيما بعد البعث وما قبله .فالإيمان بالبعث وردت فيه آيات كثيرة وأحاديث كثيرة ، يخبر الله ـ تبارك وتعالى ـ فيها عن إحياء الناس بعد موتهم وبعثهم من القبور ليجازيهم على ما قدموا في هذه الحياة ، لأن الله ـ تبارك وتعالى ـ لم يخلق الناس عبثا ولا تركهم هملا وسدى ، وإنما خلقهم لحكم عظيمة منها : أن يعبدوه ، ومنها : أن يبعثهم لإقامة العدل فيما بينهم وتقرير مصير من يستحق الجنة ومن يستحق النار ، من يدخل النار خالدا فيها مخلدا أبدا ، ومن يخرج منها بما عنده من التوحيد .والله ـ تبارك وتعالى ـ يقول : (( القارعة ـ ما القارعة ـ ومآ ادراك ما القارعة ـ يوم يكون الناس كالفراش المبثوث ـ وتكون الجبال كالعهن المنفوش ـ فأما من ثقلت موازينه ـ فهو في عيشة راضية ـ وأما من خفت موازينه ـ فأمه هاوية ـ ومآ أدراك ماهيه ـ نار حامية )) [ القارعة ]القارعة هي القيامة التي يبعث الله فيها الناس ( القارعة ـ ما القارعة ) تهويل لأمرها ، أمر عظيم ( ومآ أدراك ما القارعة ) ثم قال : (( يوم يكون الناس كالفراش المبثوث )) تصور ضعف الناس وخوفهم وهلعهم ، ويذهبون شتى لا يلتفت الأب إلى ابنه ، ولا الإبن إلى أبيه ولا يلتفت إلى عشيرته بل : (( يود المجرم لو يفتدي من عذاب يومئذ ببنيه ـ وصاحبته وأخيه ـ وفصيلته التي تأويه ـ ومن في الأرض جميعا ثم ينجيه )) [ المعارج 11 ـ 14 ] يوم رهيب ويوم عظيم ، حتى إن الأنبياء يقولون فيه ـ من شدة هوله ـ : نفسي ، نفسي ، وأولو العزم كل واحد منهم يقول :" إن ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ولا يغضب بعده مثله " . يوم رهيب لا شك كما ذكر المؤلف . ويقول سبحانه وتعالى :(( إذا وقعت الواقعة ـ ليس لوقعتها كاذبة ـ خافضة رافعة ـ إذا رجت الأرض رجا ـ وبسّت الجبال بسّا ـ فكانت هباء منبتا ـ وكنتم أزواجا ثلاثة )) [ الواقعة 1 ـ 7 ] ، ثم ذكر أصحاب اليمين وذكر السابقين وذكر أصحاب الشمال والعياذ بالله . فقوله : (( إذا وقعت الواقعة )) يعني : القيامة ، يوم يبعث الله الناس ، ثم قال : (( ليس لوقعتها كاذبة ـ خافضة رافعة ـ إذا رجت الأرض رجا )) اضطربت الأرض ، وتضطرب السماء : (( يوم تمور السماء مورا )) [ الطور 9 ] أهوال فيها ذعر وفيها خوف وفيها أهوال ، كما قال سبحانه وتعالى : (( يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم ـ يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وماهم بسكارى ولكن عذاب الله شديد )) [ الحج 1 ـ 2 ] .آيات كثيرة جدا تتحدث عن البعث وما فيه من أهوال وما فيه من أمور عظيمة ، تواتر ذكرها في القرآن والسنة ، ولهذا يقول المصنف : ( ويؤمن أهل الدين والسنة بالبعث بعد الموت يوم القيامة ، وبكل ما أخبر الله سبحانه ورسوله صلى الله عليه وسلم ) فكل ما ورد في الكتاب والسنة فيما يتعلق بالبعث وما بعده يجب الإيمان به ، لأن الله أخبر بذلك ورسول الله أخبرنا بذلك، ولا نكون مؤمنين إلا إذا آمنا بأخبار الله وصدقناها وآمنا بأخبار رسول الله وصدقناها ، قال تعالى : (( ومن أصدق من الله حديثا )) [ النساء 87 ] وقال في وصف رسوله : (( وما ينطق عن الهوى ـ إن هو إلا وحي يوحى )) [ النجم 3 ـ 4 ] .قال المصنف : (من أهوال ذلك اليوم الحق ) أي : التي أشرنا إليها في الآيات التي ذكرنا(واختلاف أحوال العباد فيه والخلق ) منهم من هو في ظل عرش الله يوم لا ظل إلا ظله ، ومنهم من هو تحت حرّ الشمس وشدتها ، إذ تدنو الشمس في ذلك اليوم حتى لا يكون بينها وبين رؤوس الناس إلا مقدار ميل ، ويكون الناس في العرق كأنهم في وديان ،منهم من يكون العرق إلى ساقيه ومنهم من يكون إلى ركبتيه ومنهم من يلجمه العرق إلجاما ، ويلحقهم من الأهوال والفزع والقلق ما يدفعهم إلى الرغبة في التخلص من هذا الموقف الرهيب ولو إلى النار ، فيذهبون إلى الأنبياء ليشفعوا لهم .هذا معنى قول المصنف : ( واختلاف أحوال العباد فيه والخلق ) ففي ذلك اليوم ، منهم من يعذب حتى في الموقف ، فالذي يمنع الزكاة يعذب بماله ـ ذهبا كان أو فضة أو من الأنعام كما مر بنا في الأحاديث ـ ومنهم من هو في رخاء وفي نعيم في ظل عرش الله ، ومنهم السبعة الذين يظلهم الله في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله ،في رواية :( في ظله ) وفي رواية تصرح بأنه ( ظل عرشه) ، وقوله : ( في ظله ) يعني إضافة مخلوق إلى خالقه ويبين هذه الإضافة التصريح بأن هذا ظل عرش الله سبحانه وتعالى ، ( فيما يرونه ويلقونه ) أي : ما يشاهدونه بأعينهم من الأهوال ثم يلقونه فعلا مما ينصب على أهل الشر من البلاء ومن بشائر السعادة للسعداء ( من أخذ الكتب بالأيمان ) (و) بشائر الشقاوة للأشقياء من أخذ الكتب بـ ( الشمائل ) ، فقد ذكر الله سبحانه وتعالى في القرآن أنه يعطي المؤمنين كتبهم بأيمانهم والكفار بشمائلهم ، وقد يأخذ بعض المجرمين بشماله ـ والعياذ بالله ـ قال الله ـ تبارك وتعالى : (( في سورة الحاقة : (( فأما من أوتي كتابه بيمينه فيقول هاؤم اقرؤا كتابيه ـ إني ظننت أني ملاق حسابيه ـ فهو في عيشة راضية ـ في جنة عالية ـ قطوفها دانية ـ كلوا واشربوا هنيئا بما أسلفتم في الأيام الخالية )) [ الحاقة 19 ـ 24 ] وقال عمن أخذوا كتبهم بشمائلهم: (( وأما من أوتي كتابه بشماله فيقول يا ليتني لم أوت كتابيه ـ ولم أدر ما حسابيه ـ يا ليتها كانت القاضية ـ ما أغنى عني ماليه ـ هلك عني سلطانيه )) [ الحاقة 25 ـ 29 ] الخاطئ هنا الكافر وليس المخطئ ، إذ المخطئ الذي يقع في الخطأ والخاطئ هو الكافر . فهذه من الأهوال التي أشار إليها المؤلف .(( خذوه فغلوه )) يأمر الله الملائكة : (( عليها ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله مآ أمرهم ويفعلون ما يؤمرون )) [ التحريم 6 ] يأمرهم ويقول : (( خذوه فغلوه ـ ثم الجحيم صلوه ـ ثم في سلسلة ذرعها سبعون ذراعا فاسلكوه )) هل الذراع بيد الملك أو بيد ابن آدم ؟ الله أعلم .سلسلة ذرعها سبعون ذراعا ، يقال تدخل من فيه وتخرج من دبره ـ والعياذ بالله ـ إهانة وعذاب وأغلال وحميم وجحيم ، هذا حال الكافرين ـ والعياذ بالله ـفعلينا بالإيمان الصادق والإخلاص لله تعالى في القول والعمل إن شاء الله نُعطى كتبنا بأيماننا ويقول كل واحد منا ـ إن شاء الله ـ (( هاؤم اقرؤا كتابيه )) أي : فرح بما أوتي ، يقول : انظروا ما فيه (( إني ظننت )) يعني : أيقنت ، فالظن هنا بمعنى اليقين ، أما إذا كان الظن بمعنى الظن الذي يستوي فيه الطرفان أو يرجح أحد الطرفين فهذا لا يقبل ، فلابد من اليقين ، ولابد من الإيمان الجازم ، فهو يقول : إني أيقنت أني ملاق حسابيه ، يؤمن بأن الله سيبعثه وسيحاسبه على ما قدم في هذه الحياة من خير وشر ، فاستبشر لما أخذ الكتاب باليمين وقال لإخوانه : (( هآؤم اقرؤا كتابيه ـ إني ظننت أني ملاق حسابيه ـ فهو في عيشة راضية ـ في جنة عالية ـ قطوفها دانية )) الله أكبر ـ نسأل الله أن يجعلنا منهم (( كلوا واشربوا هنيئا بمآ أسلفتم في الأيام الخالية )) من عقائد صحيحة وأعمال صالحة وأخلاق عالية والالتزام بالإسلام الحق واتباع الرسل الكرام عليهم الصلاة والسلام ، لأنه لا يغني في ذلك اليوم نسب ولا مال ولا جاه ولا سلطان ولا ملك ، يقول الكافر ـ يومئذ ـ : (( مآأغنى عني ماليه ـ هلك عني سلطانيه )) جيوش وجنود وصواريخ ودبابات وطائرات و..و.. ثم يأتي ـ يوم القيامة ـ مسكينا ليس عنده شيء ـ هذه حاله ، وتأخذه الملائكة وتعامله كما ذكر في الآيات ـ والعياذ بالله ـ (( خذوه فغلوه ـ ثم الجحيم صلوه ـ ثم في سلسلة ذرعها سبعون ذراعا فاسلكوه )) ما سبب ذلك ؟ (( إنه كان لا يؤمن بالله العظيم ـ ولا يحض على طعام المسكين )) [ الحاقة 33 ـ 34 ] ليس فيه خير ، كله شر والعياذ بالله .(( ولا يظلم ربك أحدا )) [ الكهف 49 ] (( إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما )) [ النساء 40 ] .قال المصنف : ( والإجابة عن المسائل ) الله سبحانه وتعالى يسأل الصادقين عن صدقهم فكيف بالكفار ؟؟ لا شك أنه يسألهم ويحاسبهمأما المؤمن فيدنيه سبحانه وتعالى ويضع كنفه عليه ويقول له : ألم تفعل كذا ؟ ألم تفعل كذا ؟ فيعترف ، فيقول : سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم ، وأما الكافر فيسأل ويفضحه أمام الناس وعلى رؤوس الأشهاد ، وإذا كان له غدرة يغرس له راية عند استه ويقال : هذه غدرة فلان ، والعياذ بالله من الغدر ومن نقض العهود والمواثيق .قال المصنف : ( إلى سائر الزلازل والبلابل الموعودة في ذلك العظيم والمقام الهائل ) مثل ما أشرنا إلى ذلك سابقا : من دنو الشمس حتى لا يكون بينها وبين الناس إلا مقدار ميل ، وأنهم يغرقون في العرق كالوديان ، فمنهم من يأخذه العرق إلى كعبيه ، ومنهم من يأخذه إلى ساقيه ، ومنهم من يأخذه إلى ركبتيه ومنهم من يلجمه العرق إلجاما .قال رحمه الله : (من الصراط والميزان ونشر الصحف التي فيها مثاقيل الذر من الخير والشر ، وغيرها ) كل هذه من الأمور العظام والأهوال التي يواجهها المكلفون من الجن والإنس ، فهناك المرور على الصراط وهناك الميزان وهناك الحساب ، يحاسب الله الناس على أعمالهم ، ويختلف العلماء أيها أسبق الميزان أو الصراط ، ونشر الصحف ، كذلك الحوض أيضا ، يعني أيها أسبق الحوض أو الصراط أو الميزان ؟ اختلف فيه لكن الراجح أن الحوض قبل الصراط وقبل الميزان أيضا والميزان قبل الصراط ، يحاسب الناس في الموقف على أعمالهم ((فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون ، ومن خفت موازينه فأولئك في جهنم خالدون )) ، ونشر الصحف هو الذي ذكرنا من إعطاء الكتب بالأيمان والشمائل ( التي فيها مثاقيل الذر ) (( فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ـ ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره )) [ الزلزلة 7 ـ 8 ] (( ولا يظلم ربك أحدا )) [ الكهف 49 ] (( إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما )) [ النساء 40 ] .والصراط جسر على جهنم يمر عليه الناس ، فمنهم من يمر عليه كالبرق ، ومنهم من يمر كلمح البصر ومنهم من يمر كالريح، ومنهم من يمر كأجاويد الخيل ، ومنهم من يمر كالراكب على الإبل ، ومنهم من يمشي ، ومنهم من يحبو حبوا ، وعلى الصراط كلاليب ـ والعياذ بالله ـ مثل شوك السعدان لكنها في غاية العظمة ، تخطف الناس بأعمالهم فمنهم من تخطفه فيهوي في النار ، ومنهم من تخذشه فيسلم وينجووهكذا .... وفي المرور منهم من يحبو حبوا كما سلف ، قال الله تعالى : (( وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتما مقضيا )) [ مريم 71 ] (( وإن منكم )) ما من أحد إلا ويمر على الصراط ، فالمؤمنون ينجون ، والكفار يسقطون فيها جثيا ـ والعياذ بالله ـ (( ثم ننجي الذين اتقوا ونذرُ الظالمين فيها جثيا )) [ مريم 72 ] .المصدر :عقيدة السلف واصحاب الحديث للصابوني رحمه اللهشرح الشيخ ربيع بن هادي المدخلي حفظه الله [ ص 200 ـ 209 ] .