3418- (بايعنَا رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم -على السمعِ والطّاعةِ في العُسر واليُسر، والمنشَطِ والمَكره، وعلى أثَرةٍ علينا، وعَلى أن لا نُنازعَ الأمرَ أَهله،[إلا أن ترَوا كُفراً بَواحاً، عندكم من اللهِ فيه بُرهانٌ]، وعلى أن نقولَ بالحقِّ أينَما كنَّا، لا نخافُ في اللهِ لومة لائمٍ).قال الألباني: في سلسلة الأحاديث الصحيحة - المجلد السابع
هو من حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه، وله عنه طريقان:
الأول: يرويه عبادة بن الوليد بن عبادة عن أبيه عن جده قال:... فذكره، دون الزيادة التي بين المعكوفتين.
أخرجه البخاري (7199 و7200)- باختصار-، ومسلم (6/16)، وأبو عوانة (4/454)- والسياق لهما-، وابن حبان (7/39-40/4530)، والنسائي (2/180-181)، وابن أبي عاصم في "السنة" (2/494-495/102-1032)، والبيهقي في "السنن" (8/145و10/158)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (15/57/19104)، والحميدي في "مسنده" (192/389)، وأحمد (5/314و316و319).
ولم يذكر بعضهم (الوليد بن عبادة) في الإسناد- ومنهم ابن حبان-، وقال هذا:
"سمع عبادة بن الوليد عبادة بن الصامت ".
والطريق الأخرى: يرويها جُنادة بن أبي أمية عن عبادة بن الصامت به نحوه مختصراً، وفيه الزيادة.
أخرجه البخاري (7055 و7056)، ومسلم (6/16-17)، وأبو عوانة (4/456)، وابن حبان (7/45/4543)، وابن أبي عاصم (2/492/1026و493/1028و495/1033و1034)، وابن أبي شيبة (رقم 19105)، وأحمد (5/321)، والبيهقي (8/145) من طرق عنه.
وأخرجه البزار في "البحر الزخار" (7/143-144/2698-2700) من الطريقين.
هذا؛ ولقد كان الباعث على تخريج الحديث وتتبعه في هذه المصادر الكثيرة - التي قلما تراها مجموعة في كتاب-: أنني رأيت الحافظ المنذري قد ساق الحديث
في "الترغيب" (3/167/2) كما ترى أعلاه معزواً للشيخين، فشككت في ذلك، فتبين أن فيه تسامحاً؛ لأنه ليس عندهما بهذا السياق، ولاسيما البخاري ؛ فإنه عنده مختصر، والسياق لمسلم دون الزيادة، وهي عندهما في الطريق الأخرى كما تقدم، فقد ركب منهما سياقاً لا وجود له في شيء من تلك المصادر الكثيرة إطلاقاً، وكثيراً ما يفعل مثله، ويتعقبه الحافظ الناجي في "عجالته "، أما هنا فلم يتعرض له؛ لذلك كان هذا التحقيق.
ولقد كان من تمامه: أنني رأيت المعلقين الثلاثة قلدوا المنذري في ذاك التركيب، وزادوا فعزوا للشيخين بالأرقام- كما هي عادتهم، ولا يحسنون إلا هذا، بل إنهم لا يحسنون حتى هذا!- ففد قالوا (3/176):
"رواه البخاري (7056)، ومسلم (1709) "!
فإذا رجعت إلى الرقم الأول؛ وجدته يبتدئ بقوله:
"فقال فيما أخذ علينا أن بايعنا على السمع والطاعة... " الحديث! فمن بالغ غفلتهم أنهم لم يذكروا مع الرقم المذكور الرقم الذي قبله- كما تقدم مني-؛ فهو يبدأ بإسناد البخاري الذي ينتهي إلى جنادة عن عبادة قال: دعانا النبي- صلى الله عليه وسلم - فبايعناه...
هكذا طبع الحديث برقم البخاري بشرح "الفتح" برقمين، وهو حديث واحد! ليضل به هؤلاء الجهلة المعتدين على السنة، ولا ينتبهوا بسببه لأول الحديث؛ لأن هدفهم التظاهر بمظهر الباحثين، وليس المحققين، وتسويد السطور بالأرقام!! وقد قدمت أن حديث جنادة هذا مختصر، فليس فيه الجملة الأخيرة: "وعلى أن نقول الحق.. " إلخ. وإنما هي في حديث عبادة بن الوليد بن عبادة، الذي لم يشيروا إليه برقمه عند البخاري ولا عند مسلم، أما البخاري؛ فواضح من اقتصارهم على الرقم المتقدم، والذي لا يشير إلى الحديث بكامله!
وأما مسلم؛ فالرقم الذي سودوه (1709) أعجب من سابقه ؛ لأن أوله عند مسلم (6/127):
"تبايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئاً، ولا تزنوا... " الحديث (1)، وهذا حديث آخر لعبادة من طريق أخرى عنه، وليس فيه ولا جملة واحدة مما في حديث الترجمة! فما عسى أن يقول الناقد الناصح في أمثال هؤلاء الجهلة الذين يتاجرون بجهلهم؟! ولو أنهم كانوا علماء وتاجروا بعلمهم؛ لنفعوا الناس، وأضروا بأنفسهم، أما هم: "فضلوا وأضلوا"! نعوذ بالله منهم جميعاً.
ثم إن في هذا الحديث فوائد ومسائل فقهية كثيرة، تكلم عليها العلماء في شروحهم، وبخاصة منهم الحافظ ابن حجر العسقلاني في "فتح الباري".
والذي يهمني منها هنا: أن فيه رداً صريحاً على الخوارج الذين خرجوا على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه؛ فإنهم يعلمون دون أي شك أو ريب أنه لم يروا منه (كفراً بواحاً)، ومع ذلك استحلوا قتاله وسفك دمه هو ومن معه من الصحابة والتابعين، فاضطر رضي الله عنه لقتالهم واستئصال شأفتهم، فلم ينج منهم إلا القليل، ثم غدروا به رضي الله عنه كما هو معروف في التاريخ.
والمقصود أنهم سنوا في الإسلام سنة سيئة، وجعلوا الخروج على حكام المسلمين ديناً على مر الزمان والأيام، رغم تحذير النبي- صلى الله عليه وسلم -منهم في أحاديث كثيرة، منها قوله- صلى الله عليه وسلم -.
" الخوارج كلاب النار" (2).
__________
(1) وهو مخرج في "إرواء الغليل " (7/366-367).
(2) وهو مخرج في "المشكاة" (3554)،و"الروض النضير" (906 و 908).