توجيه ونصح لشاب وهو يقول : أنا شاب عمري 22 سنة ، الحمد لله أحب المنهج السلفي و الحمد لله نعرف العلماء و الحمد لله نصلي صلاتي في المسجد و أحافظ على أذكار الصباح و المساء لكن عندي مشكلة ..
عندي إدمان في ذنوب الخلوات ، هل من نصيحة يا شيخ علما أني سمعت الكثير من المواعظ فيما يخص هذا الموضوع عند شيخ ..... لكن نمسك نفسي شهر ، شهرين و نعاود نولي إليها والله المستعان ...
هل من نصيحة و هل من علاج طبي يساعدني أيضا في الخلاص من هذا الإدمان ، أو حديث النبي صلى الله عليه و سلم يكفي.
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
(( يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ مَنْ اسْتَطَاعَ منكُم الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ )).
=====
الجواب
=====
الحمد لله غافر الذنب قابل التوب شديد العقاب ذي الطول لا إله إلا هو العزيز الحكيم والصلاة والسلام على سيد الخلق وإمام المتقين الذي لا ينطق عن الهوى وعلى آله وصحبه وسلم .
أولا : أعلم أن الله يغفر الذنوب جميعا ، وأنه هو الغفور الرحيم ، والتواب الحكيم ، وأنه لا يقنط من رحمة الله إلا القوم الضالون ، ولا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون ، فأقبل على ربك فإنك على خير ما دمت كما وصفت فإنه سبحانه قريب سميع بصير مجيب ...
ثانيا : عليك بالعزم الصادق على التوبة النصوح وهي الاقلاع عن الذنب والندم على فعله والعزم على عدم الرجوع إليه .. قبل وصول الروح إلى الحلقوم وطلوع الشمس من مغربها ..إذا كان الذنب بينك وبينه سبحانه ..
ثالثا :عليك بالتمسك بحديث النبي - صلى الله عليه وسلم- عض عليه بأسنانك فالحديث الذي ذكرت فإنه الدواء والشفاء وقائله لا ينطق عن الهوى فالصوم جنة و قاية .. وهو مجرب ونافع نفيد .
رابعا : عليك بالدعاء والتضرع إلى الله أن يثبتك على التوبة ، وأن يوفقك لعمل الصالحات فإن الحسنات يذهبن السيئات ، وأكثر من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم - ( يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك) ، أو ( يا مصرف القلوب صرف قلبي لطاعتك ) وخاصة في أوقات الاستجابة الزمانية والمكانية..
وادع الله وأنت موقن بالإجابة ادعه سبحانه دعاء مضطر مغموم مهموم مكروب يكاد قلبه يخرج من صدره ؛ فإن الله يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف كربه وينفس همه ولا يتركه في منتصف الطريق لنفسه فتوكل على الله ، واعلم أن من يتوكل عليه فهو حسبه وكافيه نفسه ..
فقد أخبرنا بذلك فقال : أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ..))
وقال : (( ( وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ )).
وأخبر عن فتية الكهف أنهم دعوا بهذا الدعاء ((رَبَّنَا آتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا )) الكهف (10). فاستجاب لهم.
خامسا : عليك أن تجتنب الأماكن التي يكثر فيها الفسق والفجور والتي تجذبك إلى المعصية ..
فإن الابتعاد عن أماكن الفسق والسوء وعدم التفكير فيها يساعدك كثيرا على الاستقامة والصلاح ..
سادسا : لا تجلس لوحدك ولا تجعل لنفسك أوقات خلوات تخلو فيها لهواها وما يزينه الشيطان وعليك بالجلوس مع من تستحي أن تعصي الله معهم من آبائك و أجدادك وامهاتك وأخوتك وأخواتك وأصدقائك في الله ممن هم على جانب من الاستقامة والعلم واحرص على حلقات العلم..
سابعا : عليك بملء الفراغ الذي تعيشه فإن النفس إن لم تشغلها شغلتك بالهوى وفعل السوء فإن كان لها فراغ شغلته بما تحب من السوء وما تهواه لأنها إمارة بذلك ، والشيطان يزين لها ما هنالك ويساعدها عليه. فعليك بكثرة التعوذ بالله واللجوء إليه ، وسد الأبواب التي يدخل منها عليك ..
ثامنا : عليك بطلب العلم على جادة السلف .. والاجتهاد في ذلك فالعلم بالله حقيقة والعلم برسوله ودينه والعلم بعاقبة هذه الدنيا الدنية ، والعلم بالآخرة وما فيها من جنة ونار يقوي الخشية والخوف من الله تعالى ..
تاسعا : اقرأ في كتب الزهد والتزكية للنفس وسير الصالحين مثل : الزهد لعبد بن المبارك والزهد الإمام أحمد والزهد لابن ابي الدنيا واقرأ من صحيح الترغيب والترهيب واقرأ من الجزء الثالث من إحياء علوم الدين ، باب المهلكات والمنجيات ، وكذلك كتاب موعظة المؤمنين القاسمي ، ومختصر منهاج القاصدين للمقدسي، ومدارج السالكين لابن القيم ، ومداواة النفوس لابن حزم ، وكتاب التخويف من النار للحافظ ابن رجب ، واقرأ لابن الجوزي وخاصة كتابه المدهش واعكف على قراءة القرآن الكريم حفظا وتدبرا ففيه الشفاء والدواء وعليك بالمطالعة في السيرة النبوية وسير الصحابة - رضوان الله عليهم - والتابعين وتابعيهم من العلماء الصالحين ولا تترك لنفسك وقتا فارغا ، في خلواتك ، اشغلها بطلب العلم فإنه من أعظم العبادة ، التي تقربك من الله وتبعدك من الشيطان والنار، وإذا ضعفت وغلبتك نفسك وهواك في بعض الأحيان فعليك بالتوبة، فجدد التوبة كلما أذنبت إلى أن تغيض الشيطان ..أو تموت ولا تيأس .. فباب التوبة لا يغلق دون العبد مادام يذنب ويتوب ويعلم أن له ربا يغفر الذنوب ... فأنت على خير ما دمت كذلك ..
عاشرا : واعلم أنك عبد لسيدك
ومولاك فإذا أردت أن تعصيه فاذهب حيث لا يراك ، فكر جيدا أين لا يراك فإذا علمت أنه يراك حيث حللت وارتحلت وحيث اختفيت أو ظهرت فكيف تعصيه وهو يراك ؟ استحييت من الخلق أن تعصي أمامهم جهارا ، وأسررت الذنب وعصيت في الخلوات فجعلت الله أهون الناظرين إليك . هل هكذا يطاع سيدك ومولاك ؟
وإذا جئت لتعصيه فلا تعصيه في داره وملكه كما لا تحب أن يعصيك أحد في دارك وملكك فأخرج من ملكه واعصيه خارج داره ، ولكن أين ؟؟؟؟ أين وجميع الكون ملك له فله ملك السموات والأرض ، وهو مالك السماوات والارض ؛ فيا عجبا لك تسكن ملكه ويراك فيه ولا تخفى عليه ثم تعصيه !!!!
فإذا سولت لك نفسك فقل لها إن الذي يملكني وما أملك وخلق الظلام الحالك يراني فلا أعصيه.
فإذا أرادت المعصية بعدها فأحرمها من الاكل من رزق الله ، فلا تأكل من رزقه ولا تشرب من مائه ولا تتنفس من هوائه ، ولا تتنعم بنعمه لأنها كلها منه ، فيا عجبا لك تتقلب في صحة وعافية ونعم لا تعد ولا تحصى وتأكل من رزقه وتشرب من مائه وتتنفس من هوائه هذه التي لا يملكها أحد غيره ولا تجدها إلا عنده ثم تعصيه !!!
هل جزاء الإحسان أن يقابل بكفر النعم والعصيان ؟ !!
فإذا جئت لتعصيه تذكر الموت فهو يأتي بغتة فقد يأتيك ملك الموت وأنت غافل متلبس بالمعصية فهل تستطيع أن تطلب منه أن يؤخر قبض روحك حتى تغتسل وتتوب من الذنب وتصلي ركعتين ؟
الجواب لا تستطيع ، فكيف إذا تعصيه وملك الموت يراقب أجلك وأنفاسك ؟!
قال تعالى : (( وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ ۖ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً ۖ وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ ))(34) .
وتذكر أنك إذا مت على المعصية فإن مصيرك إلى نار تلظى ، وجهنم لا تطاق ولا تطفى ..
وتذكر أنك إذا مت وجاءك زبانية النار ليأخذوك إليها فهل تستطيع أن تمتنع منهم وتدفعهم عن نفسك ؟!
الجواب : لا ، فإنهم غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون .
يا بني هل أنت عاقل أم مجنون ، تسمع لمواعظ تخر منها الجبال ولا تتعظ ما هذه القساوة في قلبك ؟ كيف تأتيك كل هذه المواعظ ولا تتعظ أني أخاف عليك قساوة القلب بسبب الذنوب ، وإني أحذرك ذنوب الخلوات وكفران النعم ، وأنت
تاكل من رزقه وتتقلب في نعمه وتسكن داره وملكه ويراك ولا يخفى عليه شيئ من حالك ولا أمرك ولا تستطيع أن تؤخر أجلك برهة من الوقت لتتوب ولا تستطيع أن تدفع زبانية جهنم عنك ثم تعصيه ما هذا القسوة ما هذا الجنون ؟!
مثل لنفسك وقوفك بين يدي الله ، وأنت عاري الظاهر ، وظاهر الباطن وقد تخلى عنك كل الخلق ونطقت جوارك لتشهد عليك وجاء كتابك وراء ظهرك فلم تستطع حمله لثقله من كثرة الذنوب وتذكر حينها أن يقال لك خذوه فغلوه ثم الجحيم صلوه ...
تذكر أن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين ، تذكر أنه غفور لجميع الذنوب رحيم بعباده الصالحين وتذكر أنه شديد العقاب سريع الحساب ..
أسال الله تعالى باسمائه الحسنة وصفاته العلى أن يغفر لي ولك ويتوب عليا وعليك وان يثبتنا وإياك على التوبة النصوح إلى ما بعد خروج الروح . آمين .
وفقك الله وسدد ..


رد مع اقتباس