بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات, والذي برحمته يدخل المؤمنون الجنات, والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعباد، وعلى آله وصحبه وسلم.
فإن الله خلق الإنسان فكرمه ورفع مرتبته, وفضّله على كثير ممن خلق تفضيلًا, وجعل فيه صفات تميزه عن غيره من المخلوقات, لكنه قد يصل إلى مرتبة أقل من مرتبة الأنعام, إذا انسلخ عن فطرته، وعبد شهوته، وعطّل قلبه، ولم يستعمل عقله.
ولقد خلق الله-عز وجل-آدم وميّزه عن الملائكة والجن بميزة العلم، التي نال بها شرف السجود له وتعظيمه وتقديره, قال الله-سبحانه وتعالى-: (وَعَلَّمَ آَدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (31) قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (32) قَالَ يَا آَدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ)(البقرة/33).
قال ابن كثير-رحمه الله-في تفسيره(1/94): (هذا مقام ذكر الله تعالى فيه شرف آدم على الملائكة بما اختصه من علم أسماء كل شيء دونهم، وهذا كان بعد سجودهم له، وإنما قدم هذا الفصل على ذلك لمناسبة ما بين المقام وعدم علمهم بحكمة خلق الخليفة، حين سألوا عن ذلك فأخبرهم الله-سبحانه وتعالى-بأنه يعلم ما لا يعلمون، ولهذا ذكر الله-عز وجل-هذا المقام عقيب هذا، ليبين لهم شرف آدم بما فضل به عليهم في العلم)اهـ.
وهناك مواقف كثيرة فضّل الله-سبحانه وتعالى-بها بعض الناس على غيرهم بما أوتوا من العلم, فقد سأل بنو إسرائيل نبيًا من أنبيائهم أن يبعث لهم ملكًا يقاتلون من وراءه, فبعث لهم طالوت ملكًا فلم يقبلوا به, لأن ميزان التفضيل عندهم هو المال والجاه.
لكن الله-سبحانه وتعالى-أراد أن يبين أن ميزان التفضيل يكون بالعلم, لأن المال قد يذهب والجاه قد يزول, إلا أنَّ العلم باقٍ في الصدور لا يزيله إلا الموت, قال-عز وجل-: (وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ)(البقرة/247).
قال ابن كثير-رحمه الله-في تفسيره(1/371): (أي وهو مع هذا أعلم منكم وأنبل، وأشكل منكم وأشد قوة وصبرًا في الحرب ومعرفة بها، أي: أتم علمًا وقامة منكم، ومن ههنا ينبغي أن يكون الملك ذا علم وشكل حسن، وقوة شديدة في بدنه ونفسه).
والعلم مرتبته عالية وشرف الانتساب إليه عظيم, ولقد مدح الله-عز وجل-أنبياءه بما أوتوا من العلم, قال الله-سبحانه وتعالى-عن يوسف- عليه السلام-: (وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آَتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ)(يوسف/22)، وقال: (وَلُوطًا آَتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا....)(الأنبياء/74).
وقال عن موسى-عليه السلام-: (وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آَتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ)(القصص/14)، وقال: (فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آَتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا......)(الأنبياء/79).
والأنبياء مرتبتهم عالية وقدرهم كبير، ناسب أن تكون صفاتهم التي يحملونها ذا شأن عظيم, والعلم كذلك شأنه عظيم فمن حمله ارتفع شأنه وعلا قدره, ومن أجل ذلك رفع الله-عز وجل-شأن العلماء, ومدحهم في كثير من الآيات, قال-سبحانه وتعالى-: (...إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ...)(فاطر/28), وقال-سبحانه-: (شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ)(آل عمران/18).
قال ابن كثير-رحمه الله-في تفسيره(1/435): (وهذه خصوصية عظيمة للعلماء في هذا المقام)اهـ.
وقال القرطبي-رحمه الله-في تفسيره(4/41): (في هذه الآية دليل على فضل العلم وشرف العلماء وفضلهم، فإنه لو كان أحد أشرف من العلماء لقرنهم الله-عز وجل-باسمه واسم ملائكته كما قرن اسم العلماء، وقال في شرف العلم لنبيه-صلى الله عليه وسلم-: (....وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا)(طه/114)، فلو كان شيء أشرف من العلم لأمر الله-سبحانه وتعالى-نبيه-صلى الله عليه وسلم-أن يسأل المزيد منه، كما أمر أن يستزيده من العلم)اهـ.
وأهل العلم هم أعرف الناس بمراد الله-عز وجل-، وهم أبعد الناس عن الوقوع في الشبه والمشتبهات، فضلًا عن المعاصي والمنهيات, قال الله-سبحانه وتعالى-: (وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آَمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ)(آل عمران/7)، وقال-سبحانه-: (لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا)(النساء/162).
وقال-سبحانه-: (قُلْ آَمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا)(الإسراء/107).
ومن صفاتهم التي جاءت في القرآن، أنهم أخبر الناس بالفتن والابتلاءات, فإذا جاءت الفتنة عرفوها وحذروا الناس منها, فهذا قارون خرج على قومه في زينته فقال الجهلاء: (يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ)(القصص/79).
لكن أهل العلم عرفوا أن هذه فتنة وامتحان, قال الله-تبارك وتعالى-: (وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ)(القصص/80).
وهذا إبراهيم-عليه السلام-قد تربى تحت أبٍ مشرك, وهذه فتنة له, لكن الله نجاه منها بالعلم الذي أعطاه إياه, قال الله-سبحانه وتعالى-: (يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا)(مريم/43).
وقد مدح الله-عز وجل-نفسه بالعلم في كثيرٍ من الآيات, ومدحه به غيره من الرسل والأنبياء، قال الله-سبحانه وتعالى-على لسان إبراهيم-عليه السلام-:(وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ)(الأنعام/80).
وقال أيضًا: (فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ)(الأعراف/7).
قال عكرمة: (علم الله فوق كل عالم). فتح القدير(3/62).
والناظر في أحوال الناس يجد أن سبب ضياعهم، وتشتتهم، وتكذيبهم للآيات, وافترائهم الكذب, هو: الجهل وعدم العلم, فمنهم من يجادل في الله وصفاته بدون علم ولا بصيرة, إنما هو الجهل والهوى, قال-جل شأنه-: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ)(الحج/3).
ومنهم من يُكذِّب بالآيات الواضحات البينات, قال الله-سبحانه وتعالى-: (حَتَّى إِذَا جَاءُوا قَالَ أَكَذَّبْتُمْ بِآَيَاتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْمًا أَمْ مَاذَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ)(النمل/84).
قال الشوكاني-رحمه الله-في فتح القدير(4/220): (بل كذبتم بها بادئ بدء جاهلين لها غير ناظرين فيها، ولا مستدلين على صحتها أو بطلانها، تمردًا وعنادًا وجرأةً على الله وعلى رسله، وفي هذا مزيد تقريع وتوبيخ، لأن من كذَّب بشيء ولم يحط به علمًا فقد كذَب في تكذيبه، ونادى على نفسه بالجهل وعدم الإنصاف وسوء الفهم وقصور الإدراك.
ومن هذا قبيل من تصدى لذم علم من العلوم الشرعية، أو لذم علم هو مقدمة من مقدماتها ووسيلة يتوسل بها إليها، ويفيد زيادة بصيرة في معرفتها وتعقل معانيها، كعلوم اللغة العربية بأسرها وهي اثنا عشر علمًا، وعلم أصول الفقه فإنه يتوصل به إلى استنباط الأحكام الشرعية عن أدلتها التفصيلية، مع اشتماله على بيان قواعد اللغة الكلية.
وهكذا كل علم من العلوم التي لها مزيد نفع في فهم كتاب الله وسنة رسوله، فإنه قد نادى على نفسه بأرفع صوت بأنه جاهل مجادل بالباطل، طاعن على العلوم الشرعية، مستحق لأن تنزل به قارعة من قوارع العقوبة التي تزجره عن جهله وضلاله وطعنه على ما لا يعرفه ولا يعلم به ولا يحيط بكنهه، حتى يصير عبرة لغيره وموعظة يتعظ بها أمثاله من ضعاف العقول وركاك الأديان ورعاع المتلبسين بالعلم زورا وكذبا)اهـ.
ولعدم وجود العلم افترى الكفار على الله أعظم فرية تخرّ منها الجبال وتنشق الأرضوتتصدع, وهي ادعاء الولد لله-تعالى الله عن ذلك-قال-جل في علاه-: (وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ)(الأنعام/100).
والعلم شرفه عظيم لا يُنال إلا بالرحلة إليه, فكان موسى-عليه السلام-أوّل من رحل في طلب العلم, كما قال الله-سبحانه وتعالى-: (فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آَتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا (65) قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا)(الكهف/66).
قال الشوكاني-رحمه الله تعالى-في فتح القدير(3/427): (...وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا)(الكهف/65)، وهو ما علمه الله-سبحانه-من علم الغيب الذي استأثر به, وفي قوله: (مِنْ لَدُنَّا)تفخيم لشأن ذلك العلم والرحلة في ذلك, ما يدل على أنه لا ينبغي لأحد أن يترك طلب العلم، وإن كان قد بلغ نهايته وأن يتواضع لمن هو أعلم منه)اهـ.
والكلام في هذا المجال يطول, نكتفي بما ذكرناه, والله الموفق.
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
وكتب:
سعد بن فتحي الزعتري