بسم الله الرحمن الرحيم.
السلام عليكم ورحمة الله.
الحمدُ لله والصلاةُ والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومَن اتبع هداه... وبعدُ:

فهذه كلمةٌ ألقاها فضيلة الشيخ [ هشام البيلي ] -حفظه الله- قُبَيْلَ صلاة الجنازة على والدته -رحمها الله-.
والحقيقة أنّ هذا المقامَ لم يكن مقامَ كلامٍ وتذكيرٍ؛ حتى لا يعتاد الناس مثل هذا الاعتياد أنه تُصبح هذه الكلمات قبل الصلاة من السُّنة، وليس كذلك -كما ذكرَ الشيخُ نفسه-، لكن لما جاءت الجنازة مُبكِّرةً ألقىَ الشيخُ هذه الكلمة القصيرة.
وهي كلمةٌ مُؤَثِّرة، رَقْرَاقَة، حكى الشيخُ فيها بعضَ مواقف والدته -رحمها الله- التي حاكتْ مواقف الصحابيات عندما طلبَ منه أبوه حَلْقَ لحيته!!

اضغط هنا لسماع الكلمة.


رابط بديل
اضغط هنـا للتحميل.

أو يمكنكم التحميل من الموقع للرسمي للشيخ من هنـا.

التفريغ

لتحميل التفريغ بصيغة PDF
اضغط هنـــا أو اضغط هنـــا.

أو

لتحميل التفريغ بصيغة DOC
اضغط هنـــا أو اضغط هنـــا.

صورة من ملف التفريغ:


القراءة المباشرة

بسم الله الرحمن الرحيم.
الحمدُ لله -ربِّ العالمين-، وصلَّى الله وسلَّم وبارك على عبد الله ورسولِه محمدٍ -صلى الله عليه وسلّم-، وعلى آله وأصحابه أجمعين.
أسألُ اللهَ -تبارك وتعالى- بمنِّه وكرمه وعظيم فضلِه أنْ يجزيَ أمي عني خيرَ الجزاء، وأنْ يجزيكم جميعًا خيرًا، وأعلمُ أنّ إخواني -جزاهم الله خيرًا- قد أَتَوا للدعاء لوالدتنا..
والحقيقة لم يكن هذا المقامُ مقامَ كلامٍ وتذكيرٍ، ولكن لما جاءت الجنازة مبكرةً، وكنتُ حريصًا على أن تكونَ الجنازة على الصلاةِ؛ حتى لا يعتاد الناس مثل هذا الاعتياد أنه تُصبح هذه الكلمات قبل الصلاة من السُّنة، وليس كذلك.
فإنّ النبي -صلى الله عليه وسلّم- مات ولم يُذكِّر أحدٌ قبل دفنه، وكذلك أبو بكرٍ، وعمرُ، وعثمانُ، وعليٌّ، وهكذا كلُّهم، ولكن لا بأسَ إذا حضرت الجنازة قبل الصلاة أن يُستغلَ الوقتُ في التذكير -لا على أنه سنَّة- ولكن على استغلال الوقت، فجزاكم الله خيرًا.
ونعتذر لجميع إخواننا والمشايخ الفضلاء عن عدم الكلام، وإلا فلو كان المقامُ مقامَ كلامٍ لربما تأخرنا بالجنازة إلى صلاة العصر تقريبًا.
أحبتي في الله، هذه الكلمةُ حتى يُؤذَّن للظهر في هذه الدقائق هي مشاهدُ عبودية: مشهدُ توحيدٍ، ومشهدُ إحسانٍ، ومشهدُ اتباع.
أما مشهدُ التوحيد، فإننا لنعترف لربنا -سبحانه وتعالى- بالتوحيد الخالص الذي هو إفراده -سبحانه وتعالى- بما يستحقه من الربوبية، والألوهية، والأسماء والصفات..
وإننا لنعاينُ عند فقد الأحبة -طالت حياتهم أم قَصُرَت- وعند الموت حينما نعاينه كلَّ يومٍ بل كلَّ لحظة، إننا لنذكرُ في ذلك الحيَّ الذي لا يموتُ -سبحانه وتعالى-.
فهو الحيُّ الذي له الحياةُ الكاملة، لم تُسبق حياتُه -سبحانه وتعالى- بعدمٍ، ولا يلحقها فناءٌ، بل هو الأولُ، والآخِرُ، والظاهرُ، والباطنُ، قال النبي -صلى الله عليه وسلّم-: (الأولُ: ليس قبله شيء، والآخِرُ: الذي ليس بعده شيء، والظاهرُ: الذي ليس فوقه شيءٌ، والباطنُ: الذي ليس دونه شيء).
قال العلماءُ: وفي هذه الأسماء الأربعة إشارةٌ إلى الإحاطتين: إحاطةُ الزمان، وإحاطةُ المكان.
فإحاطةُ الزمان: هو الأول الذي ليس قبله شيء، وهو الآخِر الذي ليس بعده شيء، فلا شيءَ بعده كما لا شيءَ قبله، وهذان الاسمان يدلان على هذه الإحاطة: الإحاطة الزمانية.
ثم الإحاطةُ المكانية: فهو الظاهر الذي ليس فوقه شيء، وهو الباطنُ الذي ليس دونه شيء، فهو -سبحانه وتعالى- لا تحيطُ به مخلوقاتُه؛ فهو أكبر من كل شيء.
بل إنّ النبي -صلى الله عليه وسلّم- ليُخبر أنّ السماوات السبع، وأنّ الأراضين السبع في الكرسي ما هي إلا حديدةٌ في فَلاة -في صحراء-، والكرسي كذلك في العرش، وإنْ كان الحديثُ فيه بعضُ الكلام، لكنّ المعنى صحيح، وهو أنّ عرشَ الله -سبحانه وتعالى- أكبرُ المخلوقات، أكبرُ من السموات، أكبرُ من الأرض؛ فكيف بمَن استوى على عرشه -سبحانه وتعالى-؟!
فنذكرُ توحيده -سبحانه- أنه الأولُ الذي ليس قبله شيء، والآخِر الذي ليس بعده شيء، والظاهرُ الذي ليس فوقه شيء، والباطن الذي ليس دونه شيء.
نذكر توحيده -سبحانه وتعالى- بأفعاله، فهو المُتفرِّد بالخَلق، والرزق، والإحياء، والإماتة، فمَن الذي خلق؟ إنه الله، ومَن الذي أتى بالأب، والأم، والأخ، والأخت، وكلِّ الناس جميعًا؟ إنه الله -سبحانه وتعالى- ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ ۞ أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لَا يُوقِنُونَ﴾ [الطور: 35].
والذي أتى بهذا الخَلقِ -وكان قادرًا على خلقه- هو الذي يأتي -سبحانه وتعالى- أيضًا بالموتِ؛ فهو المُحْي، المُميت، فلا يُميتُ أحدٌ إلا هو -سبحانه وتعالى- كما أنه لا يخلقُ أحدٌ إلا هو -سبحانه وتعالى- ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمْ مَنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ﴾ [يونس: 31].
فيتذكر الإنسان الحي الذي لا يموت، الخالقَ، البارئ، المُصَوِّر، الذي له الأسماءُ الحُسنى والصفاتُ العُليا، والذي يُشهد له بالتفرُّد، والوَحدانية، والألوهية، والربوبية، وعظيم الأسماء والصفات ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾ [الأعراف: 181].
وإذا كنا نُعاين الموتَ، ونعلمُ أننا مُقبلون عليه، فلابد أن نُحسنَ العملَ، ولابد أن نُحسنَ الإقبال على الله -سبحانه وتعالى- ونعلمُ أنه غدًا سيطلُّ علينا، ونعلمُ أنه غدًا سَيَصُفُّ الناسُ صفوفَهم خلف جثتنا، فالسعيدُ مَن مات على طاعة الله -سبحانه وتعالى-، وهذا مشهدٌ طويلٌ عظيمٌ لا أريدُ أن أطيلَ فيه.
أما المشهدُ الثاني: فهو مشهدُ عِرفانٍ وشكر، ليس لأمي؛ فإنها من هذه الجهة قد أمرنا الله -سبحانه وتعالى- بالإحسانِ إليها، فقال -سبحانه-: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [البقرة، والنساء، والأنعام، والإسراء: 83، 36، 151، 23].
وإذا كان اللهُ -تبارك وتعالى- قد جعل حقَّ الأم أعظمَ الحقوق على الإطلاق بعد حقِّه -سبحانه وتعالى-، فحقُّ الوالدين أعظم الحقوق، وحقُّ الأم يتقدمُ على حقِّ الأب، يدلُّ على ذلك لما جاء رجلٌ إلى النبي -صلى الله عليه وسلّم-، فقال: يا رسولَ الله مَن أحقُّ الناس بحُسن صحابتي، فقال: (أمُّك)، قال: ثم مَن؟ قال: (أمُّك)، قال: ثم مَن؟ قال: (أمُّك)، قال: ثم مَن؟ قال: (أبوك).
فإذا كان هذا الحق العظيم الذي يبلغُ بالإنسان مبلغًا عظيمًا -إنْ كان بارًّا بها-، فهذا الحق -أيها الأحبة- إنما يكونُ لما قامت عليه الأمُّ من مهماتٍ عظيمةٍ، فمَن الذي حملتك في بطنها تسعة أشهرٍ من غير تألمٍ ولا تعبٍ تشعرُ به؟ بل ربما تعبت، إذا تعبت أو تألمت، فَرِحَتْ؛ لأن الجنين يتحرك، وهي تحمل هذا الحِملَ العظيم، لكنّ السعادةَ تُقابل هذا الحِمل؛ فلم تَعُد تشعر بالتعب وهي تتألم أشدَّ الألمِ..
ثم في الوضع، ثم في التربية؛ فهي التي تُرضعكَ من لبن ثديها، دَمُهَا غذاءٌ لكَ في بطنها، دَمُهَا غذاءٌ لكَ إذا نزلتَ؛ فغذَّتكَ من دمها..
فماذا عسى أن أصنعَ لها؟! وماذا عسى أن أقدِّمَ لها؟! فنسألُ الله أن يتجاوز عنا، وأن يرحمنا، وأن يرحمها.
لكنني عند أمي لا أركِّز على هذا، بل إنّ أمي ليست الأم التي أرضعتْ، وليست الأم التي ربّت، وليست الأم التي حملت ووضعت فقط، إنما أمي هي (شيخي الأوَّل)..
إي والله، هي (شيخي الأوَّل) قبل أن أجلسَ بين يديّ العلماء، ومشايخي الأكابر الذين أدينُ لهم بكلِّ حرفٍ علَّموني إياه، فإنّ شيخًا لي كان في زمن الغُربة يومَ أن لم تكن لحيةٌ موجودة! ويومَ أن لم تكن سنّةٌ موجودة! لم يكن أحدٌ في هذه المناطق ولا غيرِها مما يَقْرُبُ منا يعرفُ سنّةً، ويعرفُ طاعةً، ويعرف قرآنًا..
ولكنّ هذه الأم هي (شيخي الأول) الذي غَرَسَ فيّ حبَّ الطاعة، فلا زلتُ أذكر -وأنا ابن الخمسين، شيخٌ يحدِّث الناس، أصعدُ المنابر، يجتمعُ حولي الطلاب- لا زلتُ أذكرُ الآن تلك (الورقة الحمراء) التي أملتها عليّ أمي يومَ أن علّمتني الصلاة، فكتبتُ الصلاةَ وراءها، ثم وضعتُ (الورقة الحمراء)، ولا زلتُ أذكرُ لونَها أمامي، ثم قمتُ أُصلِّي، أقومُ وأركعُ وأنظرُ إلى الورقة التي علّمتها أمي إياي؛ فهي (شيخي الأول) الذي علّمني الصلاة.
وهي (شيخي الأول) الذي شدَّ من أَزْرِي حين كانت الغربة شديدة، وكان وقتها يومَ أن يُطلقَ إنسانٌ لحيته كان الناسُ ينظرون إليه وكأنما أتى من كوكبٍ آخرٍ!
ولا زلتُ أذكرُ موقفًا، أشكرُ فيه لأمي، وأحمدُ ربي حمدًا كثيرًا ووفقنا لإياه، وأبي كذلك الذي ما عارضني يومًا في لحيةٍ، والله -أقسمُ بالله- ما عارضي يومًا في لحيةٍ! ولا عارضني يومًا في تقصيرِ ثيابٍ، ولا في دعوتي إلى السُّنة.
ولكن ذات يومٍ، وبقلب الأبوةِ -وهذا في منتصف الثمانينات- جاءني والدي -ولأول مرةٍ في حياته، لأول مرةٍ في حياته- بعد صلاة الظهر، وأنا أجلسُ في بيتي، وما تعودتُّ -قط- أن أرفعَ بصري في عين والدي.
فجاءني، وقال: بأنني كنتُ في (بِيَلا)، وقابلني رجلٌ من (أمن الدولة)، وقال: بأنّ ولدكَ هذا سوف يحصل له كذا وكذا.. منتصف الثمانينات.. يومَ لم يكن رجلٌ.. قَلَّ أن تجدَ رجلاً مُلتحيًا على السُّنة..
فجاء بعاطفة الأبوة، قال: يا بُني، احلق لحيتكَ، وليس الدين في اللحية فقط! أنتَ تُصلِّي، وأنتَ تقرأ، وأنتَ تفعل، ولكن احلق لحيتكَ من أجل هذا لأنّ الرجلَ، قال: إنّ ولدكَ هذا لو أُخِذَ لن تراه الشمسُ!!، وغيرِ ذلك من هذه الكلمات المعتادة التي نعتادها، وكانت أمي جالسةً في الصالة وهو يتحدث -وأنّى لي أن أردَّ على أبي؟! فما تعودتُّ ذلك قط! وإلى الآن..
فإذا بهذه الأم كأنما هي صحابيةٌ من الصحابيات، الأصلُ أنّ قلبها ينبغي أن يُرَفْرِف، وينبغي أن يتعلقَ شوقًا بولدها.. في هذا الزمان لم يكن أحدٌ يذهب إلى هناك ويأتي!! فماذا قالت؟ ولازلتُ أذكرُ لها هذا الموقف العظيم الذي يُذكرني بمواقف الصحابيات الأوائل.
قالت لأبي -وهي التي ردّت ولم أفتح -والله- شفتيّ بكلمةٍ واحدةٍ- قالت: أتريدُ أن يحلقَ لحيته؟!
قال: قالوا: كذا.
قالت: واللهِ لأنْ يأخذوه، فيقطعوا رقبته!!، ثم يأتوا به، فيضعون رقبته في حِجْرِي!! على أن يأخذَ شعرةً واحدةً من لحيته، ما وافقتُ على ذلك.
قالت واللهِ ذلك، قالت: واللهِ لو يأتون برقبته في حِجْرِي على أن يحلقَ شعرةً من لحيته، لا واللهِ لا أرضى بذلك، فحينئذٍ شدَّ الله -سبحانه وتعالى- أَزْرِي.
فهي (شيخي الأوَّل) أُتَرْجِمُ لها بملء فمي.. هي (شيخي الأول).
إنني حينما أُشَيِّعُ اليومَ، أُشَيِّعُ شيخًا، عظيمًا، كبيرًا، أسألُ اللهَ بمنِّهِ وكرمهِ أنّ كلَّ كلمةٍ من كلماتنا التي قلتها على مِنْبَرِي، أو في درسٍ، أو في مناسبةٍ، أن يجعلَ ذلك في ميزان حسناتها، وأن يجعلَ في ميزان حسناتها كلَّ ركعةٍ ركعتها لله، وأن يجعلَ في ميزان حسناتها كلَّ كتابٍ ختمته في السُّنة التي كانت أصلها.
ومن جميلِ ما أذكرُ -ولعلَّ هذا من حُسن الخاتمة- أنني أودعتها المستشفى من ليلتين، ولم أكن أفارق أمي -قط-، ولكنّ هذه الليلة الأولى التي وضعتها اطمأننتُ عليها بعض الشيء، وكان عندي درسٌ في الفجر، في نونية ابن القيِّم، هذه القصيدة العظيمة في توحيد الله -سبحانه وتعالى- فقلتُ: أعوذُ .. وأُعطي الدرسَ الفجرَ؛ ليكونَ ذلك -بإذن الله- مما أتوسلُ به إلى ربِّي؛ فإنّ أعظمَ ما أتوسلُ به إلى ربي السُّنة، أعظمُ ما أتوسلُ به إلى ربي.
فقلتُ: واليوم يوم النونية، وهذه القصيدةُ قصيدةٌ مباركةٌ لشيخ الإسلام ابن القيِّم، ثم شرحنا في صُبح الثلاثاء ما تيسر من نونية ابن القيِّم، ووصلنا إلى البيت رقم (خمسة آلاف) تقريبًا، وشددتُ همتي لأقفَ عند آخر بابٍ في النونية، وهو بابُ ما أعدّه اللهُ -عز وجل- لأوليائه وأهل سنته من جنةٍ عرضها السماوات والأرض..
ووقفتُ عندها، وقلتُ لإخواني: نقفُ عند هذه الجنة لنُكملَ غدًا سائلين المولى -تبارك وتعالى- أن يجعلنا وإياكم من أهلها، ووقفتُ عند مقطع الجنة في النونية، فلما قالوا: نأخذُ درسًا في العصر؟ قلتُ: لا، أمي.. أمي سأذهبُ إليها.
وذهبتُ إليها، وأقمتُ معها ليلةَ أمسٍ، وكان عندي إخواني وأخواتي، وطلبتُ منهم لما عرفتُ أنّ حالتها مُتَعَسِّرَةٌ جدًا، فأردتُ ألا أفجعهم بموتها؛ لأنّ الأطباءَ ما طَمَّنُونِي، فقلتُ: اذهبوا جميعًا واتركوني وحدي، أنا سأبقى مع أمي، وحالتها -إنْ شاء الله- يمكن نحتاج إلى عناية أو كذا..
اذهبوا جميعًا -وأطاعوني، سبحان الله- وذهبوا جميعًا، وبقيتُ مع أمي في الحُجرة، وسألتُ اللهَ -تبارك وتعالى- ورفعتُ يديّ إليه بهذه السُّنة أن يحفظها وأن يشفيها، أو أن يجعل هذه خاتمةً لها.
وقمتُ أصلِّي من الليل، ووقفتُ عند وِرْدِي في سورة (النحل): ﴿وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا خَيْرًا﴾ [النحل: 30]، ولم أقرأ هذه الآية، ووقفتُ عندها، واستودعتُ اللهَ أمي، وقلتُ: أستريحُ بعضَ الوقتِ، فقمتُ فإذا هي في أنفاسها الأخيرة..
فقلتُ: سبحان الله استودعتها الله -تبارك وتعالى- فجرًا عند النونية لابن القيِّم عند الجنة مع أننا شرحنا فيها (خمسة آلاف) بيتٍ، واستودعتها عند قيام الليل عند قول الله -سبحانه وتعالى-: ﴿وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا خَيْرًا لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ﴾ [النحل: 30].
فأسألُ اللهَ -تبارك وتعالى- بمنِّه وكرمه أن تكونَ هذه الخاتمةُ، وأنا على مشارف خاتمةِ هذه الكُتب، وعلى وقوفي عند هذه الآيات أن تكون هذه الخاتمةُ في ميزان حسناتها.
ثم أختمُ بمشهد الاتباع، وهو تنبيهٌ على إخواني، وأحبتي، وأهلي، وأقاربي، الذين أعزهم سواءً من أهل بلدتي، أو ممن أَتَوا وتكلَّفوا وتكبَّدوا هذه المشاق البعيدة..
مشهد الاتباع، أقولُ لأحبتي، إخواني: إنني سأنفِّذ السُّنة -بإذن الله تبارك وتعالى- في أمي؛ فسنصلي عليها -بإذن الله- بعد صلاة الظهر، سنصلِّي عليها خارج المسجد، يعني سنتقدم بالجنازة خارج المسجد، وسنصلِّي عليها.
لأنّ السُّنة أن يُصلَّى على الجنازة في الخَلاء: يعني خارج المسجد، وإخواننا في المسجد كما هم، والذين وراءنا وراءنا، ثم إننا -بإذن الله تبارك وتعالى- قد أعددنا لها لَحْدًا، وسندفنها..
وأرجو، وآمُل، واللهِ وأقدِّر كل خطوةٍ من خطواتكم، آمُل -بإذن الله تبارك وتعالى- أن يكونَ الانصرافُ بعد دفنها؛ فلا عزاءَ بعد ذلك في البيت، أو في المجلس، أو غيرِ ذلك، فلن نجتمعَ في البيت بعد ذلك أبدًا، لا في خميسٍ، ولا في أربعاءٍ، ولا في ليلٍ إلا جاءنا رجلٌ من أقاربنا من أهل الغربة أو من أحبابنا هذا نلقاه في البيت، وإلا فالأصلُ عدم الاجتماع بعد الدفن؛ لحديث (جرير) كنا نعد الاجتماع، وصنعة الطعام من النياحةِ.
فأرجو من إخواني أن يسمحوا لي بهذا، وهذه السُّنة التي ينبغي أن نُطبِّقها في هذه المرأة المباركة، وهذه الأم العظيمة التي كانت سببًا في هذه السُّنة المباركة -إن شاء الله تبارك وتعالى-.
فإن شاء الله يا أهلَ بلدتي الأفاضل الأكارم، جزاهم الله خيرًا، الذين أعلمُ أنهم يحبون أمي حبًا جمًا؛ لأنني ما أذكرُ مرةً واحدةً لا مع رجلٍ ولا مع امرأةٍ كان من هذه المرأة قضيةٌ مع أحدٍ، إنما هي المُصليةُ الذَّاكرةُ المُطيعةُ العابدةُ لربها -سبحانه وتعالى-، وكانت شاكرةً لله -عز وجل-.
ولهذا أشكرُ ربي -سبحانه وتعالى- على صلاحها، وأشكرُ ربي -سبحانه وتعالى- على ما أنتجت من تربيةٍ عظيمةٍ أخرجت أئمةَ منابر، وأئمةَ محاريب، وكلُّ ذلك في ميزان حسناتها..
فأبي في ميزان حسناتها، وأنا في ميزان حسناتها، وإخواني، وأخواتي، وأزواج أخواتي، كلُّ هذا -بإذن الله تبارك وتعالى- في ميزان حسناتها -إن شاء الله-.
فنعتذر عن أننا لن يكونَ هناك اجتماعٌ في البيت ليلاً أو غدًا أو بعد ذلك على الإطلاق، وشاكرون..
والذين يريد أن يُعزِّي.. يُمكنُ بالهاتف، أو إذا لقينا ونختصر على هذا الأمر من سنّة النبي -صلى الله عليه وسلم-، وإلا أنا أعلمُ جيدًا أنّ إخواني وَدُّوا لو ما تركونا أيامًا كثيرةً، وأزمنةً مديدةً.
أسألُ الله -تبارك وتعالى- بمنِّه وكرمه وعظيم فضله أنْ يُكرِمَ نُزلها، وأن يُوسِّعَ مُدخلها، وأنْ يرزقها الفردوسَ الأعلى، وأنْ يرزقها رفقة النبي -صلى الله عليه وسلم- في الجنة.
وأخلصوا لها الدعاء -بارك الله فيكم- في صلاة الجنازة وعند المقبرة، هذا والله أعلم، وصلَّى اللهُ وسلَّم وباركَ على عبد الله ورسولِه محمدٍ وعلى آله وأصحابه أجمعين.


وفرَّغه/
أبو عبدالرحمن حمدي آل زيد المصريّ
9 من ربيع الآخر 1433 هـ، الموافق 2/3/2012 م

فإنْ تجد عيبًا فسُد الخللَ ==== جلّ مَن لا عيبَ فيه وعلا.