من أبي عبد الله محمد بن عبد الحميد
إلى أخيه......................................... – عمم الله به النفع.
تقدم معنا أن بينا لكم –وأنتم أهل فضل –أن من مسائل التكفيريين التي أحيوهافي هذه الأزمان، بدعة القول بأننا نعيش في العهد المكي، ومقتضى هذا القول تكفيرالخلق، وهذا قول كبّار، صادر من أنوك يأفوف مأفوك يريد الإفساد، وجرّ الأمة منجديد إلى مهاوي الفتن وأودية الردى، والغريب العجيب أن العهد بمثل هذه الدعاوىقريب، وأثره له في نفوسنا وقع أليم مرير، وأصحابه صرخوا من السجون صرخات ندممصحوبة بأنين مقرة بأنها كانت بمنأى عن الصراط المبين، ترجوا عفواً تنعم معه بحياةالمسلمين، ولكن لا مجيب .
فأقول : بادئ ذي بدء نقرر أن علماء الأصول – علوم القرآنوأصول التفسير – لما تكلموا في العهدين المكيوالمدني، ذكروهما كمرحلتين للتشريع؛ لتميز الناسخ من المنسوخ، ومعرفة أساليبالدعوة إلى الله عز وجل، وبيان أنلكل مقام مقال، ومراعاة مقتضى الحال، ومعرفة تدرج الأحكام ...
يقول الشيخ عبد الرحمن المعلا-زادهالله تعالى توفيقاً- بعد أن أشار إلى بعض ما تقدم فيكتابه " الغلو في الدين في حياة المسلمين المعاصرة " ص(516) : " ولكن ليس من فائدة العلم بالمكي والمدني ،ترتيب أحكام التدرج والمرحلية على الناس ، فلا يقالأننا نعيش عهداً شبيهاً بالعهد المكي عهد الاستضعاف ، وعليه فيجب أن نأخذ بأحكامالعهد المكي – أي مرحلة الضعف وعدم التمكن وغلبة الكفار–
وذلك لعدة أمور :
1. أن استنباط الأحكام الشرعيةيتم من أدلتها وفق قواعد أصولية بينها العلماء في كتب أصول الفقه ، وليس من أدلةالتشريع ، ولا من قواعد الاستنباط النظر في الزمان ومقارنته بأي من العهدين المكيوالمدني ، ثم القياس على النظير .
2. أن العهدالمكي كان الضلال يعمّ الأرض فيه ، مع استضعاف جميع المسلمين ، وعدم تمكنهم منإعلان دينهم . وأما عهود الاستضعاف التي تمر بها الدعوات التجديدية ، فإنها عهودمحددة الزمان والمكان ، فلا يمكن أن تعيش البشرية كلها في ضلال سابق الوعد بأنه لاتزال طائفة من أمة محمد صلى الله تعالى عليه وآله وسلمعلى الحق منصورة .
3. أن العهدالنبوي مكّيّه ومدنيّه عهد تشريعولم يكتمل الدين فيه بعد ... وأما بعد ذلك فقد كمل الدين ، ولم يعد هناك مجالللتشريع ومع ذلك فإن الظروف الاستثنائية التي تمر بها الدعوات ، أو يمر بها عمومالمسلمين في عهد من العهود ليست خلواً من الأحكام الملائمة لها ، بل لها أحكامتدخل تحت أبواب الرخص ، أو يكون الحكم داخلاً تحت الاستثناء من الأصل لفقدان شرطأو لوجود مانع .
ولعل في المثال الآتي ما يوضح هذا :الجهاد من أوجب واجبات الإسلام، فهو ذروة سنامه، ولكن نظراً لضعف المسلمين، وعدمتمكنهم في العهد المكي لم يشرع الجهاد إلا في العهد المدني ، وأمر الرسول صلى الله تعالى عليه وآلهوسلم وصحابته بكف الأيدي وعدم رد العدوان ، وقد تمربالمسلمين حالات ضعف وعدم قدرة على الجهاد في زمن من الأزمان أو بلد من البلدان ،كأن يكون المسلمون أعداداً يسيرة في مقابل الكفار ولا سلطان لهم فيعذرون بتركالجهاد مؤقتاً ، ويؤمرون بالاستعداد وأخذ الأهبة حتى تتحقق لهم القدرة .
ومأخذ الحكم هنا ، هو قول الله تعالى : } فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ { سورة "التغابن" الآية(16) وقوله : } لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْساًإِلاَّ وُسْعَهَا{سورة"البقرة" الآية (286) ونحوها من الآيات المقررةلعدم التكليف بما لا يطاق ، لا أن مأخذ الحكم كون العهد شبيهاً بالعهد المكي . إذ لو أخذ بهذه المرحلية ، وجعلت أصلاً من أصول الأحكاملأدى ذلك إلى فساد عريض ، لا يقول به إلا مارق من الدين .
ويتبين هذا الفساد منجانبين :
الأول : تضييع فرائض من الدين ، يعد تركها كفراً بالله – عزوجل – فالصلاة لم تفرض إلا في أواخر العهد المكي والصيام لميفرض إلا في السنة الثانية للهجرة ، والحج والزكاة وغيرها من فرائض الدين لم تنزلإلا في العهد المدني . فلو أخذ بهذه المرحلية وجعلت أصلاً من أصول الأحكام ؛ لكانمن أول مقتضيات تضييع هذه الفرائض والقول بعدم وجوبها .
ثانياً :ارتكاب كثير من المحرمات البين حرمتها ، واستحلالها بهذه المرحلية مما يعد خطراًكبيراً على الدين ، فإن الخمر مثلاً لم تحرم التحريم القاطع إلا في المدينة ولوقيل هذه المرحلية لكانت الخمر حلالاً .
وفي الجملة :فإنه لا يصح أن تجعل هذه المرحلية طريقاً وأصلاً من أصول الأحكام، لأن أصولالأحكام ليست نتاج رأي بشرى، بل كل أصل منها مقرر بكثير من الدلائل، والمراجع لماكتبه العلماء في أصول الفقه يجد هذا به، ولقد أخذ بعض المعاصرين بمبدأ مرحليةالأحكام، وقالوا : " من العقيدة أن يؤخذ الدين على صورته التي نزلت على النبيصلى الله تعالى عليهوآله وسلم فنأخذ الأحكام على مراحل كما كان متبعاً في أولالإسلام، وهو البدء بما نزل في مكة بالنسبة لعهد الاستضعاف الذي نعيش فيه حالياً،فإذا تمكنت الجماعة من الوصول إلى السلطة(1) وحكمت بالإسلام أخذت بما نزل في المدينةفي عهد التمكين، أما العصر الذي نعيش فيه فهو عصر استضعاف
ومبنى هذا القول:على تكفير المجتمع، إذ أنهم لما قالوا بتكفيره جوبهوا بإشكالية التعامل مع المجتمع وكيف يكون ، فاستندوا إلى هذه المرحليةوجعلوها المفزع من المأزق الذي وقعوا فيه .
ولذلك فإن مما قالوه بناءعلى هذه المرحلة ما يلي :
1- جوازالزواج بالكافرات (بزعمهم)
2- جوازالأكل من ذبائح الكافرين (بزعمهم)
3-عدم وجوب صلاة الجمعة والعيدين (2)
4-كف الأيدي وإيقاف الجهاد
والرد على هذهالآراء من جهتين : أن المجتمع المكي كان مجتمعاً جاهلياً كافراً . أماالمجتمعات التي طبقوا عليها أحكام المرحلية فهي مجتمعات مسلمة غير كافرة .
2- أنالاستضعاف الموجود في العهد المكي مانع من أداء الطاعات والعبادات الفردية ، حتىكان مجرد الجهر بالقرآن كان صعباً ومؤدياً إلى الإيذاء . وهذا غير موجود في العهدالذي طبقوا عليه أحكام المرحلية " " الغلو فيالدين في حياة المسلمين المعاصرة " للشيخ عبد الرحمن بن معلا اللويحق ص (516– 519) .
وبعد ..أخي السلفي : احذر من قول كل تكفيري جاهليتكلم في مثل هذه المسائل - أعني : مسألتي هل ديار المسلمين ديار حربأو ديار إسلام ، أو أن الدعوة اليوم هي دعوة العهد المكي –وقد تقدم بطلان اعتقاد أصحابها ، ووقفت من خلال ما ذكر على خطورة تبنيها والقولبها ، ولك أن تتصور أثر هذا الاعتقاد على الدين والنفس والعرض والمال ، فاللهتعالى المسؤول أن يمن علينا بالاستقامة في الدين ، ويقينا شر البدع والمبتدعين ،وأن يوفق ولاة أمور المسلمين إلى ما فيه الخير ، وأن ينعم على بلاد المسلمينبالإيمان الذي منه ينبثق الأمن ،،، أمين ،،،
وصلى اللهم وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ،،،
والحمد لله رب العالمين
(1)قال محمد حسان أحد دعاةالمنهج القطبي : " فواجب على كل مسلم ألا يذعن لهذه القوانين الوضعيةالكافرة، ويجب عليه أن ينكرها ويجاهدها على قدر استطاعته . نعم .. يجب عليه أنينكر هذا المنكر الأكبر، وأن يتبرأ إلى الله منه، وأن يشهد الله وهو العليم الخبيرأنه مكره ولا طاقة له سوى ما يبذل وما يقدم وأنه لا يقرّ هذا الكفر والظلم والفسق. وأود أن أبشر منتتقطع قلوبهم كمدا وغيظا وهم لا يملكون من الأمر شيئا بأن هناك بارقة أمل في هذاالليل الدامس وفي هذه الظلمات الحالكة، فها هي كتائب الصحوة الإسلامية المباركةتتوالى وتنمو وها هو الشباب المسلم والفتيات المسلمات ، وها هي قلوب عامة المسلمينتنكر وترفض كل ما يقول به الزعماء والقادة المصطنعون، من عمليات الهدم والتخريبوالتغريب والتدمير والتحطيم!! في الوقت الذي تنتكس فيه رايات الإباحية والإلحاد .وهذا وعد الله، ووعد الله حق وصدق } يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم ....... { الآية
وأنا ألقيبالمسئولية على كل مسلم ومسلمة وأحمله الأمانة في أن يتحرك من الآن لدين الله وألايتكاسل، وألا يقلل من شأن حركته وجهده لدين الله – عزوجل – وألا يظن أن الدين مسئولية الدعاة والعلماء وحدهم، بل أنت جندي لدينالله وأنت أيتها المسلمة أمينة على دين الله – عز وجل –فهيا حان وقت العمل، هيا نتكاتف جميعا ونتفق جميعا، على تغيير هذا المنكر الضخم،وأن نحاول بصدق أن نرد المسلمين إلى الإسلام بعد العيبة التي هم عليها منذ زمنطويل بعيد، هيا يا أحفاد أبناء دار الأرقم تحركوا لدين الله – عز وجل – وتحملوا الأمانة وارفعوا الراية " انظر كتابه " حقيقة التوحيد " طبعة دار نور الإسلام– المنصورة – الطبعة الأولى سنة 1414 هــ - 1995 م .
(2) قال سيدهم قطب أقنومالتكفير في العصر الحديث عند تفسير قوله تعالى }واجعلوا بيوتكم قبلة{بعد أن قرر دخول مسلمي العصر في إطارالمجتمع الجاهلي وهنا يرشدنا إلى اعتزال معابد الجاهلية –مساجد المسلمين – واتخاذ بيوت العصبة المسلمة مساجد تحس فيها بالانعزال عنالمجتمع الجاهلي " "الظلال " (3/1816)دار الشروق
وقال أيضاً : " إنه لا نجاة للعصبةالمسلمة في كل أرض من أن يقع عليها العذاب إلا بأن تنفصل عقيديا وشعوريا ومنهجحياة عن أهل الجاهلية من قومها ، حتى يأذن الله لها بقيام دار إسلام تعتصم بها ،وإلا أن نشعر شعوراً كاملاً بأنها هي الأمة المسلمة ، وأن ما حولها ومن حولها ممنلم يدخلوا فيما دخلت فيه جاهلية ، وأهل جاهلية " "الظلال" (4/2122)
كتبه
لراجي عفو ربه
أبو عبدالله
محمد بن عبدالحميد بن محمد حسونة