تنبيه وتعليق من الشيخ أبو بكر يوسف لعويسي - حفظه الله ونفع به - عن رجل يدعي أن النحاس تخافه الجن، وأنه نافع للمرء لطرد الجن.
رابط الفيديو في أول تعليق.

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
هذا تعليقي على ما في هذا المقطع من كلام على أن الجن تخاف من النحاس، و الرد على ما استشهد به من القرآن ..
=====
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من نبي بعده وعلى آله وصحبه وسلم .
أبعد :
فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يترك شيئا يقربنا من الله إلا دلنا عليه ولم يترك شيئا يبعدنا منه سبحانه إلا حذرنا منه، عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (( - إنَّهُ ليس شيءٌ يُقَرِّبُكُمْ إلى الجنةِ إلَّا قد أَمَرْتُكُمْ بهِ ، و ليس شيءٌ يُقَرِّبُكُمْ إلى النارِ إِلَّا قد نَهَيْتُكُمْ عنهُ ...)) السلسلة الصحيحة ( 2866) وقال حسن .

وإن من أعظم ما حذرنا منه الشرك والأبواب والسبل المفضية إليه، وهذا الرجل بكلامه هذا يمهد ويدعوا إلى سبيل من سبل الوقوع في الشرك بالله ، وترك التعلق بالله سبحانه والتوكل عليه وحده لا شريك له في دفع الضر وجلب النفع ولبيان ما جاء به من خلط وخبط أقول :

أولا : هذا كلام باطل ، ولا دليل عليه من الشرع ، ولا يقوله إلا مشعوذ غارق في الشعوذة يخشى عليه سوء الخاتمة، والعياذ بالله.

ثانيا : ما استدل به من الآية الكريمة لا يدل على ما ذهب إليه لا من قريب ولا من بعيد ، ولا قائل به من أئمة التفسير من الصحابة والتابعين، وسيأتي بيان ذلك .

ثالثا : بل تفسيره ذلك للآية الكريمة هو قول على الله بغير علم، وتفسير لكلام الله بالرأي الباطل من جاهل بعقل عاطل، ولا قائل به من أئمة التفسير من الصحابة والتابعين في حدود علمي .

رابعا : وتفسير القرآن بمجرد الرأي والاجتهاد من غير أصل حرام لا يجوز تعاطيه، قال تعالى : ولا تقف ما ليس لك به علم، وقال صلى الله عليه وسلم : " من قال في القرآن برأيه -أو بما لا يعلم- فليتبوأ مقعده من النار “ ، وفي لفظ : " من قال في القرآن برأيه فأصاب فقد أخطأ " .

ولهذا تحرج السلف عن تفسير ما لا علم لهم به ، فقد روي عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب : أنه كان إذا سئل عن تفسير آية من القرآن قال : " إنا لا نقول في القرآن شيئا “ .

وأخرج أبو عبيد القاسم بن سلام : " أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه سئل عن الأب في قوله تعالى : وفاكهة وأبا ، فقال : " أي سماء تظلني ؟ وأي أرض تقلني ؟ إذا قلت في كلام الله ما لا أعلم “ .

قال الطبري : " وهذه الأخبار شاهدة لنا على صحة ما قلنا : من أن ما كان من تأويل آي القرآن الذي لا يدرك علمه إلا بنص بيان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أو بنصبه الدلالة عليه، فغير جائز لأحد القيل فيه برأيه، بل القائل في ذلك برأيه -وإن أصاب الحق فيه- فمخطئ فيما كان من فعله، بقيله فيه برأيه; لأن إصابته ليست إصابة موقن أنه محق، وإنما هي إصابة خارص وظان، والقائل في دين الله بالظن، قائل على الله ما لا يعلم، وقد حرم الله جل ثناؤه ذلك في كتابه على عباده، فقال: قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون .
فالتفسير بالرأي ممن هب ودب لا يجوز وهذا ما عليه المحققون من أهل العلم إلا للعلماء الربانيين المجتهدين العالمين بأصول التفسير وقواعده وقواعد أصول الشريعة واللسان العربي .

خامسا: الجن عالم غيبي لا نراهم ولا نعلم حقيقتهم، فكيف عرف هذا الدعي أنهم يخافون من النحاس أو من الإنسان الذي جسمه عليه نحاس، أو معه نحاس أو يخافون من بعض النباتات أو من الذئب، وغير ذلك مما يقوله المشعوذون؟!
والله تعالى يقول: ( إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم إنا جعلنا الشياطين أولياء للذين لا يؤمنون ( 27 ).
قال أبو جعفر : يعني جل ثناؤه بذلك : إن الشيطان يراكم هو ، و " الهاء " في " إنه " عائدة على الشيطان و " قبيله " ، يعني : وصنفه وجنسه الذي هو منه واحد جمع جيلا وهم الجن ، كما :-1446حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد ، قوله : ( إنه يراكم هو وقبيله ) ، قال : الجن والشياطين . [ ص: 377 ] ...)).

ونحن لا نراهم ولا نعلم حقيقتهم حتى نعلم أنهم يخافون أو لا يخافون مما يذكر عنهم ..
اللهم إلا أن يكون هذا الدعي المخبر عنهم مشعوذا شيطانا من الإنس يخالط شياطين الجن فيوحي بعضهم لبعض زخرف القول غرورا، كما أخبرنا الله تعالى :(( ( وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا ولو شاء ربك ما فعلوه فذرهم وما يفترون ))
وقرأها رسول الله على أبي ذر وقال له تعوذ بالله من شياطين الإنس والجن . رواه أحمد . وهو صحيح.

سادسا : الذي نعرفه من شرعنا أن الشيطان يخاف وينفر من تلاوة القرآن عموما ومن سورة البقرة خصوصا، وأخص من ذلك آية الكرسي، والإخلاص والمعوذتين ومن الآذان
، والتعاويذ والذكر ويخاف من عمر الفاروق .

ولا نعلم دليلا أنه يخاف من النحاس والملح والرمان والذئب وغير ذلك مما هنالك من الترهات والخرافات .

سابعا : كلامه هذا فيه دعوة للشرك والعياذ بالله، وهو دعوة لوضع الأسورة النحاسية التي تلبس على الرسغ والساعد والعضد لتدفع شيطان الجن من الاقتراب من لا بس السوار من صُفْر، وعدم أذيته، فهو يسوق لهذا المعتقد الشركي الذي يعتمد على معدن أو مخلوق ويترك الخالق، ولا يتوكل على الله، وهذا منهي عنه، وليس فيه شفاء بل فيه العلة، ولو مات صاحبه فلن يفلح أبدا .

ثامنا : عن عمران بن حصين رضي الله عنه: أن النبي ﷺ رأى رجلاً في يده حلقة من صُفْر، فقال: ما هذه؟ قال: من الواهنة، فقال: انزعها فإنها لا تزيدك إلا وهناً، فإنك لو مت وهي عليك ما أفلحت أبداً .رواه الإمام أحمد بن حنبل في المسند بإسناد جيد، ورواه غيره.
فلو كان كما يقول هذا الدعي الجاهل لأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أمته بذلك الأمر العظيم والمهم جدا الذي يجعل شياطين الجن لا تقترب منهم بل تفر كما تفر من عمر الفاروق رضي الله عنه، وهذا الأمر في غاية الأهمية للمؤمنين، وعلى أقل الأحوال أن يخبر النبي ذلك الصحابي الذي كان لابسا لحلقة الصفر ( النحاس)، وهو بدوره ينقله إلى غيره حتى يصل إلينا كما نقل إلينا إنكاره عليه للبسه حلقة الصفر ( النحاس )، ولما لم يفعل دل على أنه غير موجود شرعا في الوجود، وإنما هو من وحي الشياطين بعضهم لبعض حتى يزيدونهم رهقا ويوقعونهم في الشرك .

و يقال أيضا: أن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز .

وكتم مثل هذا الأمر العظيم عن الأمة يكون النبي صلى الله عليه وسلم بذلك لم يكمل الدين وقصر في تبليغ الرسالة، لأن هذا أمر في غاية الأهمية وقد علمنا الاستعاذة من شياطين الجن والإنس والتحصينات من ذكر الله حتى لا نسلم من أذية الشياطين،
وهو القائل: ما بعثَ اللَّهُ من نبيٍّ إلَّا كانَ حقًّا عليْهِ أن يدلَّ أمَّتَهُ على خيرِ ما يعلمُهُ لَهم وينْهاهُم عن شرِّ ما يعلمُهُ لَهم . صحيح النسائي (4202).

تاسعا : لم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم في العلاج بالنحاس شيء ولا عن الصحابة والتابعين، وما ما استدل به من الآية في قوله تعالى (( يرسل عليكم شواظ من نار ونحاس )) فهذه الآية في الآخرة يوم القيامة توعد الله الجن والإنس بالعذاب بالشواظ وهو لهيب النار الذي لا دخان فيه ، وبالنحاس وهو الدخان، أو النحاس ( المعدن ) المذاب يصهر فوق رؤوسهم وبهذا قال أهل التفسير .

قال ابن جرير رحمه الله : يقول - تعالى ذكره - ( يرسل عليكما ) أيها الثقلان يوم القيامة ( شواظ من نار ) وهو لهبها من حيث تشتعل وتؤجج بغير دخان كان فيه، ومنه قول رؤبة بن العجاج :
إن لهم من وقعنا أقياظا
ونار حرب تسعر الشواظا .
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل .

ذِكْرُ من قال ذلك :
حدثني علي قال : ثنا أبو صالح قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس قوله : ( شواظ من نار ) يقول : لهب النار . [ ص: 46 ]

حدثني محمد بن سعد قال : ثني أبي قال : ثني عمي قال : ثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس قوله : ( يرسل عليكما شواظ من نار ) يقول : لهب النار .

حدثني محمد بن عمرو قال : ثنا أبو عاصم قال :ثنا عيسى وحدثني الحارث قال : ثنا الحسن قال : ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد قوله : ( شواظ من نار ) قال : لهب النار .

حدثنا ابن بشار قال : ثنا أبو أحمد الزبيري قال : ثنا سفيان ، عن منصور ، عن مجاهد ( يرسل عليكما شواظ من نار ) قال : اللهب المتقطع .
حدثنا ابن حميد قال : ثنا حكام قال : ثنا عمرو ، عن منصور ، عن مجاهد ( يرسل عليكما شواظ من نار ) قال : الشواظ : الأخضر المتقطع من النار .
قال : ثنا جرير ، عن منصور، عن مجاهد في قوله : ( يرسل عليكما شواظ من نار ) قال : الشواظ : هذا اللهب الأخضر المتقطع من النار .
قال : ثنا مهران ، عن سفيان في قوله : ( يرسل عليكما شواظ من نار ) قال : الشواظ : اللهب الأخضر المتقطع من النار .
قال : ثنا مهران ، عن سفيان، عن الضحاك : ( الشواظ ) : اللهب .
حدثنا بشر قال : ثنا يزيد قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ( يرسل عليكما شواظ من نار ) : أي لهب من نار .
حدثنا ابن عبد الأعلى قال : ثنا ابن ثور ، عن معمر ، عن قتادة ( شواظ من نار ) قال : لهب من نار . [ ص: 47 ]
وحدثني يونس قال : أخبرنا ابن وهب قال : قال ابن زيد في قوله : ( يرسل عليكما شواظ من نار ) قال : الشواظ : اللهب ، وأما النحاس فالله أعلم بما أراد به .

وقال آخرون : الشواظ : هو الدخان الذي يخرج من اللهب .
ذِكْرُ من قال ذلك :
حدثت عن الحسين قال : سمعت أبا معاذ يقول : أخبرنا عبيد قال : سمعت الضحاك يقول في قوله : ( شواظ من نار ) : الدخان الذي يخرج من اللهب ليس بدخان الحطب .

وأما قوله : ( ونحاس ) فإن أهل التأويل اختلفوا في المعني به ، فقال بعضهم : عني به الدخان .
ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن عبيد المحاربي قال : ثنا موسى بن عمير ، عن أبي صالح ، عن ابن عباس في قوله : ( ونحاس فلا تنتصران ) قال : النحاس : الدخان .
حدثني علي قال : ثنا أبو صالح قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس قوله : ( ونحاس ) : دخان النار .
حدثنا أبو كريب قال : ثنا ابن يمان ، عن أشعث ، عن جعفر ، عن سعيد في قوله : ( ونحاس ) : قال : دخان . [ ص: 48 ].

وقال آخرون : عني بالنحاس في هذا الموضع : الصُّفْر .
ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن سعد قال : ثني أبي قال : ثني عمي قال : ثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس ( ونحاس ) قال : النحاس : الصفر يعذبون به .
حدثنا ابن حميد قال : ثنا مهران ، عن سفيان ، عن منصور ، عن مجاهد ( ونحاس ) قال : يذاب الصفر من فوق رءوسهم .
قال : ثنا حكام ، عن عمرو ، عن منصور ، عن مجاهد ( ونحاس ) قال : يذاب الصفر فيصب على رأسه .
حدثنا ابن حميد قال : ثنا مهران ، عن سفيان ، ( ونحاس ) : يذاب الصفر فيصب على رءوسهم .
حدثنا بشر قال : ثنا يزيد قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، ( ونحاس ) قال : توعدهما بالصفر كما تسمعون أن يعذبهما به .
حدثنا ابن بشار قال : ثنا محمد بن مروان قال : ثنا أبو العوام ، عن قتادة ( يرسل عليكما شواظ من نار ونحاس ) قال : يخوفهم بالنار وبالنحاس .

الترجيح .
قال ابن جرير : وأولى القولين في ذلك عندي بالصواب قول من قال : عني بالنحاس : الدخان ، وذلك أنه - جل ثناؤه - ذكر أنه يرسل على هذين الحيين شواظ من نار ، وهو النار المحضة التي لا يخلطها دخان . والذي هو أولى بالكلام أنه توعدهم بنار هذه صفتها أن يتبع ذلك الوعد بما هو خلافها من نوعها من العذاب ، دون ما هو من غير جنسها ، وذلك هو الدخان ، والعرب تسمي الدخان نحاسا بضم النون ، ونحاسا بكسرها ، والقراء مجمعة على ضمها ، ومن النحاس بمعنى الدخان ، قول نابغة بني ذبيان : [ ص: 49 ]
يضوء كضوء سراج السلي
ط لم يجعل الله فيه نحاسا
يعني : دخانا.
قلت : وحتى على قول من فسرها بالنحاس ، الصفر أي المعدن فهي في الآخرة ولا علاقة لها بما ادعاه هذا الجويهل ..